88552_ALR_14-10-2019_p32-1

من الإمارات.. سلام على لبنان

المتضررون من الحركة الشعبية في لبنان يبحثون عن طوق نجاة، بل أصبحوا اليوم يقبلون بـ«قشة» تنقذهم من الغضب الشعبي المتصاعد، ذلك الغضب الذي فشلوا في أن يتعاملوا معه بطريقة عقلانية وعملية ترضي المواطنين وتعيدهم إلى أعمالهم ومنازلهم بهدوء.

بعد هذا الفشل الذريع تحت أنظار العالم، بدأ البعض تكتيكاً آخر، اعتقدوا أنه سيمر على الشارع، وهو التشكيك في تمويل المتظاهرين وفي ولاءاتهم، ومن بين من ألقوا عليهم تهمهم دولة الإمارات! وهذا أمر غريب يكشف ضعف أولئك الذين يعملون في الظلام، فكيف يمكن أن تحرك الإمارات تلك الجموع بمختلف الطوائف والأعمار والتوجهات؟ وكيف يمكن أن تؤثر فيهم؟! بالطبع أولئك يعرفون أنه لا علاقة تربط الإمارات بما يحدث على أرض لبنان، لكن هذه التهمة الجديدة ما هي إلا حلقة في سلسلة الأكاذيب التي تُروج ضد الإمارات من قبل إعلام ما يسمى بـ«المقاومة» وغيره، فعلى مدى سنوات ماضية – وبسبب خلافات سياسية – يحاول إعلام حزب الله وحلفاؤه في لبنان وخارجه أن يلصق أي تهمة بالإمارات، ويظهرها وكأنها البلد الذي يعمل ضد لبنان وضد الشعب اللبناني، والحقيقة عكس ذلك تماماً، فقد كانت الإمارات ولا تزال وستبقى مع لبنان (الوطن والشعب)، فاختلاف الإمارات مع فصيل واحد، لا يعني أنها ضد الشعب والوطن.

المفارقة أن تهمة اليوم تفند تهمة الماضي، فعندما كانت الإمارات ترفض بقاء البعض ممن يتبعون فصيلاً معيناً على أراضيها، كان الهجوم عليها وكأنها ضد لبنان وجميع اللبنانيين، والحقيقة أنها كانت فئة صغيرة وكانت هناك أسباب محددة لعدم قبولها في الإمارات، وأغلب اللبنانيين كانوا يعرفون واقع الأمر في ذلك الوقت ويتفهمون قرارات الإمارات، واليوم يتكرر الشيء نفسه، فسهام من يختلفون مع الإمارات موجهة ضدها فقط، لأنها تتخذ مواقف أخلاقية كباقي الدول العربية والغربية، فالقرار الأخير دائماً للشعب.

تصوير الإمارات أو السعودية أو أي دولة بأنها تتدخل في الشأن اللبناني وفي مطالب الشعب ما هي إلا محاولة خداع مكشوفة لن تنطلي على الشارع من جديد، فالدولة الوحيدة التي لا يشك أحد بل وباعتراف حسن نصرالله بأنها تتدخل في الشأن اللبناني وتدفع مئات الملايين سنوياً هي إيران، ومن أراد أن يعرف الحقيقة فهي أن تدخلات إيران في لبنان واحدة من أهم أسباب تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي في هذا البلد، ومن أهم أسباب ثورة الشباب اللبناني الشيعي والسني والمسيحي، الذين – ولأول مرة – يضعون صورة نصرالله وخامنئي تحت أقدامهم.

الدعاية الإعلامية ضد الإمارات أصبحت مكشوفة، ولن يصدقها الشارع اللبناني مرة أخرى بعد أن رأى بعينه الصديق الذي يقف معه في كل وقت، ومدعي الصداقة الذي يبتزه ويستغله لتحقيق أهدافه وأطماعه في المنطقة، فسلام على لبنان وسلام على العرب الذين عرفوا عدوهم من صديقهم.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

تحية لشيعة لبنان

المشهد اللبناني يستحق المتابعة لحظة بلحظة، فالشباب اللبناني بكل طوائفه في ساحات بيروت وطرابلس وصور وصيدا وكل المدن اللبنانية يقلب صفحة مؤلمة من تاريخ لبنان، ويكتب تاريخاً جديداً يحتاج إليه لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لا أحب تصنيف الناس حسب طوائفهم أو أديانهم أو مذاهبهم، لكن اليوم وفي لبنان الذي بني على التصنيف الطائفي بين مواطنيه، لدرجة أنه جعل طائفة أقوى من الأخريات ومتحكمة في مصير البقية، أصبح واجباً علينا كعرب أن نقدم التحية الكبرى لشيعة لبنان الذين نزلوا بكل شجاعة وقوة ليقولوا إنهم مع لبنان الوطن، وإنهم جزء من الشعب اللبناني العربي، وإنهم لم يعودوا يخافون تهديداً من الداخل أو الخارج، ولأن الشيعة هم الرقم الصعب في المعادلة الحالية بسبب سيطرة «حزب الله» على القرار اللبناني، كان استهدافهم هو الأكبر، والضغط عليهم بكل الأشكال هو الأشد، لدرجة الاعتداء عليهم جسدياً في الميادين وخارجها، وهذا ما استشعره اللبنانيون من الطوائف الأخرى، فوقفوا مع أشقائهم الشيعة ليحموهم ويدافعوا عنهم من بطش عصابات التخويف وميليشيات إيران التي سقط قناعها، وأصبحت تعيش الفشل بعد أن كشفتها الجماهير وطالبت بمحاسبتها، كما ستتم محاسبة الجميع.

الشباب اللبناني بجميع أطيافه وأديانه اكتشف حقيقة السياسيين منذ سنوات، لكنه فضّل أن يعطيهم فرصة ليصححوا أوضاعهم ويكونوا في مستوى توقعات الشارع، ويخدموا البلد، إلا أن السياسيين تجاهلوا الشارع تماماً، بل لم يكونوا يرونه أو يسمعونه، فكل ما كان يهمهم مصالحهم الشخصية والحزبية والطائفية الضيقة، والشعب، على حد تعبير اللبنانيين، «يصطفل» فكانت النتيجة هذه التي يراها العالم اليوم.

الشباب اللبناني أمام تحدٍّ حقيقي اليوم بفرض الدولة الوطنية، الدولة البعيدة عن المحاصصة الطائفية أو الحزبية، دولة لا تختار المسؤولين في الحكومة أو البرلمان على أساس طوائفهم وأحزابهم وأديانهم، وإنما مسؤولين يتولون إدارة الدولة وخدمة المواطنين بناء على كفاءتهم وخبرتهم ووطنيتهم، بغض النظر عن أي شيء آخر، وقد يكون ذلك صعباً لكنه الإنجاز الحقيقي المتوقع من هذه الثورة العظيمة.

الأمر الآخر الذي يدركه اللبنانيون تماماً اليوم أنهم كانوا ضحية تجاذبات إقليمية قوية وطويلة سمحت بها الطبقة السياسية «المستفيدة منها»، وهو ما يفترض أن يتوقف اليوم، بحيث يكون القرار اللبناني لبنانياً بحتاً، أما القوى الإقليمية فوضعها الطبيعي أن تكون صديقة وشريكة للبنان وليست وصية عليه، وهذا لن يعجب البعض في الداخل والخارج، لكنه ما يجب أن يصر عليه المتظاهرون في كل ميادين لبنان.

أخيراً، نتمنى أن تعيد هذه الثورة رجال الدين بكل احترام وتقدير إلى مساجدهم وكنائسهم وحسينياتهم، ليصلوا لربهم ويدعوا بالخير لوطنهم وشعبهم.. ويتركوا إدارة البلاد للرجال الذين يعرفون كيف تبنى الدول وكيف يدار الاقتصاد وكيف يتم تطوير مصالح الدولة مع دول العالم، فالشعب اللبناني يستحق الأفضل.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

لبنان الجميل.. ينتفض

ما فعله الشعب اللبناني خلال الأيام الماضية كشف عن مستوى عالٍ من المسؤولية الوطنية والالتزام الحضاري – بغض النظر عن بعض المخربين المندسين بين المتظاهرين السلميين – فقد بدأت المظاهرات سلمية، وعبّر الشعب اللبناني عن رأيه بكل وضوح وقوة حول أحوال بلده ومعاناته، وهذا ليس غريباً على لبنان جبران خليل جبران، ولبنان فيروز، ولبنان الجبل والبحر.

لقد صمت الشعب اللبناني طويلاً، وصبر كثيراً على ما يجري في بلده، وأعطى الفرصة تلو الأخرى للقيادات السياسية بمختلف أشكالها وأطيافها وانتماءاتها، منتظراً أن يصبح الحال أفضل، ومتأملاً أن يخرج البلد من الأزمات التي تعصف بالمواطن اللبناني الواحدة تلو الأخرى، لكنه اكتشف أخيراً أنه لا آفاق للحل مع القيادات السياسية الحالية ومع الحكومة المفككة منذ يوم تشكيلها، فكان قراره الأخير النزول إلى الشارع ورفع صوته بمطالبه الاقتصادية والاجتماعية، التي من الواضح أن الطبقة السياسية الحاكمة لم تفهمها، الأمر الذي أدى إلى تصاعد المطالب الشعبية إلى مطالبات سياسية وبتغيير النظام وإسقاطه.

اللافت في الحالة اللبنانية الحالية أن المتظاهرين لم يخرجوا أتباعاً لطوائف وأحزاب ومجموعات، وإنما خرجوا جميعاً كمواطنين لبنانيين وأبناء وطن واحد، لا مسلم ولا مسيحي ولا درزي ولا سني ولا شيعي ولا غيره، كل اللبنانيين بمختلف أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم كانوا صوتاً واحداً ضد الفساد والانهيار الاقتصادي في البلاد.

وكان من اللافت، ولأول مرة، أن نسمع هتافات ضد حسن نصرالله، فقد اعتبروه جزءاً من الأزمة، ولا يختلف عن بقية السياسيين الذين يجب أن يرحلوا، فردد المتظاهرون باللهجة اللبنانية: «كُلّن يعني كُلّن.. نصرالله واحد منُن»، وضد نبيه بري وكذلك سعد الحريري والرئيس ميشيل عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل، الذي سكب الزيت على النار في خطابه، فبدلاً من أن يهدئ الأمور أشعلها، ولم يختلف عنه نصرالله كثيراً، الذي هدد أمس المتظاهرين السلميين باستخدام القوة! فسمع العالم ارتفاع الهتافات ضده وسقوط صور نبيه بري وميشيل عون تحت الأقدام.

والأمر المثير للشفقة في خطابات الطبقة السياسية اللبنانية أنها في وسط هذه الأزمة والمطالبات الشعبية استمرت في تجاهل مطالب الشعب وركزت على تصفية حساباتها، وقام كل طرف بإلقاء اللوم على الآخر، في مشهد يعكس بُعد المسافة بين السياسيين والشعب، الأمر الذي ينبئ بفشل الحكومة والفرقاء السياسيين في الوصول إلى حل للأزمة وعدم قدرتهم على تهدئة الشارع وعودة الأمور إلى مسارها الطبيعي.

الواضح من المشهد الحالي أن الطبقة السياسية اللبنانية انشغلت بمصالحها لسنوات طويلة ونسيت الشعب واحتياجاته ومطالبه، ونجح أولئك السياسيون والحزبيون في إشغال اللبنانيين بكثير من القضايا الداخلية والخارجية «الهامشية» بهدف إبعادهم عن حقيقة أوضاع الداخل، واختلقوا معارك خارجية مع جيران عرب لطالما أحبوا لبنان ووقفوا معه، فقط من أجل ألا يتكلم الشعب، لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح، عندما فاض الكيل وانكشفت الأمور عرف الشعب اللبناني صديقه من عدوه وطالب بحقوقه وأعلنها بمحض إرادته وبكل قوة أنه لن يصمت بعد اليوم.