88552_ALR_14-10-2019_p32-1

حتى لا نبقى ظاهرة صوتية!

الطريقة التي عرضت، والتي تم بها الترويج لـ«صفقة القرن»، لم تترك أمام العرب غير خيار رفضها، والمطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات بطريقة أخرى والحوار من أجل حل شامل وعادل لا يُظلم فيه الطرف الفلسطيني.

فالإجماع العربي الذي تحقق بالأمس في الاجتماع غير العادي لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري بشأن خطة «صفقة القرن الأمريكية ـ الإسرائيلية»، الذي حضره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لم يكن مستغرباً، فالصفقة أعطت كل شيء للإسرائيليين ولم تعطِ الفلسطينيين إلا الفتات! وبذلك حتى من كان لديه الاستعداد من العرب لأن يدعم هذه الصفقة وجد نفسه في موقف التحفظ عليها.

فعلى الرغم مما تمر به الدول العربية من ضعف ومن حروب أهلية وصراعات محلية وهجمات إرهابية، إلا أن ذلك لا يعني أن يتم التعامل مع الحق الفلسطيني على أساس أنه جزء من «الحملة الانتخابية» لهذا الطرف أو ذاك!

الوجه الآخر لصفقة القرن بعيد عن الولايات المتحدة وإسرائيل وهو مرتبط بالفلسطينيين وبالعرب، فقد لاحظ كل متابع هجوم بعض الأطراف الفلسطينية على دول عربية بعينها واتهامها بشكل مباشر وكأنها تعمل ضد القضية الفلسطينية، وكان التركيز هذه المرة على السعودية ومصر والإمارات والبحرين، ومن يعرف التاريخ يدرك أن هذه الدول من أكثر الدول التي دعمت القضية الفلسطينية مادياً ومعنوياً، إقليمياً ودولياً، وعندما يأتي من يتهجم عليها أو يشكك في مواقفها فإننا ننتظر رداً فلسطينياً واضحاً عليه، وخصوصاً أن الجميع أصبح يدرك أن تراجع اهتمام العالم بالقضية الفلسطينية لم يكن بسبب التجاذبات الدولية والإقليمية فقط، وإنما كان – مؤخراً – بسبب الخلافات والصراعات الفلسطينية – الفلسطينية، وهي من أهم أسباب ضعف القضية، إضافة إلى إعطاء أطراف إقليمية كتركيا وإيران أدواراً أكبر في القضية الفلسطينية على حساب دول عربية كبرى، وهما أكثر دولتين تتكلمان عن القضية الفلسطينية ولا تعملان شيئاً بل تنفذان أجندتهما الخاصة وتحققان مصالحهما مع إسرائيل.

هذه من الأسباب الواضحة التي أدت إلى إضعاف الدور العربي في الملف الفلسطيني، لذا فإن الخطوة الجديدة والصحيحة لحل القضية الفلسطينية تبدأ بترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، ومن ثم بتحديد القيادة الفلسطينية من هم أصدقاؤهم ومن الذين يتاجرون بقضيتهم.

وأخيراً، فإن من المهم بعد هذا الشجب والاستنكار والإجماع على الرفض أن يكون للفلسطينيين والعرب مشروع واستراتيجية يتحركون بهما ويحققون من خلالهما أهدافهم حتى لا نبقى مجرد ظاهرة صوتية!

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

هل فشلت صفقة القرن؟

مشكلة صفقة القرن أنها بدت وكأنها خدعة واستمرت وكأنها لغز! فمنذ اليوم الأول للإعلان عنها وهي شيء غامض وحتى عقد ورشة البحرين الاقتصادية في اليومين الماضيين بقي شيئاً غامضاً، فقد بدأت وكأنها «الصفقة» الكبرى التي ستحل القضية الفلسطينية التي استمرت أكثر من سبعة عقود فتحولت إلى «فرصة» للحل، كما عبر عنها كوشنر في افتتاح ورشة العمل في البحرين، لتنتهي على أنها «ورشة» عمل حضرها بعض الوزراء والمسؤولين ورجال الأعمال العرب والإسرائيليين، لتنتهي ليلة البارحة بنتيجة سلبية، فكل ذلك الزخم الإعلامي والحديث الكبير عن الحل اصطدم بغياب طرف الحل الآخر، وهو الطرف الفلسطيني الذي رفض الفكرة من أساسها.

هل تسرع كوشنر في الوصول إلى حل لهذه القضية التي تساوي ثلاثة أضعاف عمره تقريباً، فاعتقد أنها مشكلة بسيطة يمكن حلها بخمسين مليار دولار! لذا قام بزيارات مكوكية وانتقل بين عواصم العالم والتقى بالرؤساء والزعماء والمؤثرين في القرار العربي والعالمي وضغط على أصدقاء الولايات المتحدة لدعم هذا المشروع، وعلى الرغم من أن الكثيرين لم يكونوا يَرَوْن مؤشرات لنجاح هذه الصفقة إلا أن الضغط الأمريكي والرغبة في المحاولة جعلاهم ينخرطون في هذا المشروع بغض النظر عن احتمالات فشله.

يكشف تصريح كوشنر بالأمس أن «مؤتمر البحرين يظهر أن مشكلة الشرق الأوسط يمكن حلها اقتصادياً، وسنعلن خطة للحل السياسي عندما تكون جاهزة» أنه يفكر كأي رجل أعمال فهو يعتقد أن أي مشكلة في هذا العالم يمكن حلها بالدولارات، فبالمال تنتهي الأزمات، وهذا المنطق غير صحيح عندما يرتبط بحق الشعوب، وعندما يرتبط بالتاريخ وبالأرض، فلا خمسين مليار ولا 100 ولا 200 تعني شيئاً لأم فقدت ابنها ولا لشعب سلب أرضه، فما حدث في هذه الصفقة أنه تم وضع العربة أمام الحصان فتعطل كل شيء، فالحل السياسي كان ينبغي أن يسبق الصفقة الاقتصادية أو يرافقها، فحينها «قد» تتحرك الأمور بشكل يرضي جميع الأطراف.

بعد هذه المحاولة الكبيرة التي باءت بالفشل، ربما يقرر الشاب كوشنر أن يعود إلى أعماله التجارية ويركز على مشاريعه العقارية بدلاً من أن يشغل نفسه بهذه القضايا الكبيرة التي يضيع فيها الكبار فما بالنا بالصغار، وإذا كانت ثمة توصية يمكن أن يخرج بها فهي تذكير الولايات المتحدة بأنها إذا كانت جادة وتريد حلاًّ للصراع في فلسطين فبين يديها ومنذ عام 2002 مبادرة السلام العربية التي طرحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، وهي الأقرب للمنطق والأكثر قبولاً من أغلب الأطراف، أما الإصرار على فرض حل ما على طرف، وتقديم الهديا لطرف على حساب الطرف الآخر، فهذا غير مُجدٍ ولن يحقق أي نتيجة.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

الإمارات وصفقة القرن

كل ما يعرفه العالم أن دولة الإمارات كانت دائماً وأبداً مع القضية الفلسطينية ومع الحق الفلسطيني قولاً وفعلاً.. عقلاً وقلباً.. مادياً ومعنوياً.. ولم تتأخر الإمارات يوماً عن الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني، فمنذ عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، إلى اليوم ودولة الإمارات ملتزمة بالخيار الفلسطيني للحل وكلمة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي في شهر مارس الماضي كانت واضحة، عندما قال إن القضية الفلسطينية جوهرية للأمتين العربية والإسلامية، وأكد السعي نحو التوصل إلى حل شامل ودائم وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.. هذا هو موقف دولة الإمارات الذي لم يتغير يوماً وسيبقى كما كان حتى تعود الحقوق إلى أصحابها.

ومعروف مَن روج لما جاء في مقال «نيويورك تايمز» حول صفقة القرن ومحاولة إلصاقها بصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وبدولة الإمارات، ومعروف من يقف وراءها، فقد لاحظ الجميع قدر التحريف والتحوير الذي قامت به بعض وسائل الإعلام حول هذه الجزئية من المقال، فشخصياً لا أشك بأن الإمارات تتكلم مع الأمريكيين وغيرهم حول قضية فلسطين، بل المنطق يقول إن كل الدول العربية الحريصة على القضية يجب أن تتناول هذا الموضوع مع الإدارة الأمريكية وفِي جميع الاجتماعات المفتوحة والمغلقة وكذلك في المحافل الدولية، فالشعب الفلسطيني يعاني والعرب يجب أن يقفوا معه، وبما أن قناعة الإمارات راسخة في حق الفلسطينيين، فمن دون شك، إن أي حديث سيدور حول القضية سيكون متماهياً مع إرادة ورؤية الشعب الفلسطيني وقيادته، وهذا ما يعرفه الفلسطينيون جيداً، أما ما ليس في صالح الشعب فلن يكون ضمن ما تتبناه دولة الإمارات.

و«صفقة القرن»، التي هي فكرة أمريكية لم يعرف أحد كل تفاصيلها ولا هدفها، لا يمكن أن تتبناها دولة الإمارات أو أي دولة عربية من دون موافقة الفلسطينيين عليها وقبولها.. والقمة الإسلامية الأخيرة في مكة التي كانت الإمارات جزءاً منها رفضت أي حل لا يقبله الجانب الفلسطيني.

إن محاولة الإيحاء بدور إماراتي في هذه الصفقة تبدو واضحة الجهات التي تقف وراءها لكن الشعب الفلسطيني اليوم يعرف تماماً من يقف معه بصدق ومن يقف معه من أجل مصالحه وأجنداته الخاصة.