88552_ALR_14-10-2019_p32-1

تحية لشيعة لبنان

المشهد اللبناني يستحق المتابعة لحظة بلحظة، فالشباب اللبناني بكل طوائفه في ساحات بيروت وطرابلس وصور وصيدا وكل المدن اللبنانية يقلب صفحة مؤلمة من تاريخ لبنان، ويكتب تاريخاً جديداً يحتاج إليه لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لا أحب تصنيف الناس حسب طوائفهم أو أديانهم أو مذاهبهم، لكن اليوم وفي لبنان الذي بني على التصنيف الطائفي بين مواطنيه، لدرجة أنه جعل طائفة أقوى من الأخريات ومتحكمة في مصير البقية، أصبح واجباً علينا كعرب أن نقدم التحية الكبرى لشيعة لبنان الذين نزلوا بكل شجاعة وقوة ليقولوا إنهم مع لبنان الوطن، وإنهم جزء من الشعب اللبناني العربي، وإنهم لم يعودوا يخافون تهديداً من الداخل أو الخارج، ولأن الشيعة هم الرقم الصعب في المعادلة الحالية بسبب سيطرة «حزب الله» على القرار اللبناني، كان استهدافهم هو الأكبر، والضغط عليهم بكل الأشكال هو الأشد، لدرجة الاعتداء عليهم جسدياً في الميادين وخارجها، وهذا ما استشعره اللبنانيون من الطوائف الأخرى، فوقفوا مع أشقائهم الشيعة ليحموهم ويدافعوا عنهم من بطش عصابات التخويف وميليشيات إيران التي سقط قناعها، وأصبحت تعيش الفشل بعد أن كشفتها الجماهير وطالبت بمحاسبتها، كما ستتم محاسبة الجميع.

الشباب اللبناني بجميع أطيافه وأديانه اكتشف حقيقة السياسيين منذ سنوات، لكنه فضّل أن يعطيهم فرصة ليصححوا أوضاعهم ويكونوا في مستوى توقعات الشارع، ويخدموا البلد، إلا أن السياسيين تجاهلوا الشارع تماماً، بل لم يكونوا يرونه أو يسمعونه، فكل ما كان يهمهم مصالحهم الشخصية والحزبية والطائفية الضيقة، والشعب، على حد تعبير اللبنانيين، «يصطفل» فكانت النتيجة هذه التي يراها العالم اليوم.

الشباب اللبناني أمام تحدٍّ حقيقي اليوم بفرض الدولة الوطنية، الدولة البعيدة عن المحاصصة الطائفية أو الحزبية، دولة لا تختار المسؤولين في الحكومة أو البرلمان على أساس طوائفهم وأحزابهم وأديانهم، وإنما مسؤولين يتولون إدارة الدولة وخدمة المواطنين بناء على كفاءتهم وخبرتهم ووطنيتهم، بغض النظر عن أي شيء آخر، وقد يكون ذلك صعباً لكنه الإنجاز الحقيقي المتوقع من هذه الثورة العظيمة.

الأمر الآخر الذي يدركه اللبنانيون تماماً اليوم أنهم كانوا ضحية تجاذبات إقليمية قوية وطويلة سمحت بها الطبقة السياسية «المستفيدة منها»، وهو ما يفترض أن يتوقف اليوم، بحيث يكون القرار اللبناني لبنانياً بحتاً، أما القوى الإقليمية فوضعها الطبيعي أن تكون صديقة وشريكة للبنان وليست وصية عليه، وهذا لن يعجب البعض في الداخل والخارج، لكنه ما يجب أن يصر عليه المتظاهرون في كل ميادين لبنان.

أخيراً، نتمنى أن تعيد هذه الثورة رجال الدين بكل احترام وتقدير إلى مساجدهم وكنائسهم وحسينياتهم، ليصلوا لربهم ويدعوا بالخير لوطنهم وشعبهم.. ويتركوا إدارة البلاد للرجال الذين يعرفون كيف تبنى الدول وكيف يدار الاقتصاد وكيف يتم تطوير مصالح الدولة مع دول العالم، فالشعب اللبناني يستحق الأفضل.