88552_ALR_14-10-2019_p32-1

وداعاً قابوس

حزينة سلطنة عمان، والحزن في مدن الإمارات لا يختلف عن الحزن في محافظات عمان، فرحيل السلطان قابوس بن سعيد حدث جلل وغيابه يشكل فراغاً حقيقياً في سلطنة عمان وفي المنطقة بأسرها، فما حققه السلطان قابوس لعمان خلال نصف قرن من حكمه يعتبر إنجازاً كبيراً بكل المقاييس، فمن عاش في عُمان قبل عهد قابوس وبعده يعرف ماذا فعل هذا الرجل، وكيف نقل هذا البلد من موقع إلى آخر أكثر تقدماً وانفتاحاً، فقابوس نشر التعليم في كل المحافظات والولايات والقرى، وأصبح الإنسان العماني يتلقى أفضل مستويات التعلم، وفتح المستشفيات والمستوصفات الحديثة ليقضي على الأمراض المنتشرة بين الناس بسبب نقص الرعاية الصحية، وأنشأ بنية تحتية قوية تربط بين مناطق عُمان شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، واهتم بالثقافة والتراث والفنون وجعل الإنسان العماني شخصية متميزة بين أبناء المنطقة والعالم.

وعلى الصعيد الخارجي، يشكل غياب قابوس غياباً لأحد أصوات الحكمة والتسامح والانفتاح، فقد عرف عنه الهدوء والحكمة وبعد النظر وتغليب المصلحة العامة على المصالح الصغيرة، لذا رأيناه يكسب احترام العالم بعدما نال محبة وولاء شعبه.

ما فعله قابوس هو ما يفعله القادة العظماء لشعوبهم ولأبناء وطنهم، فلم يرحل قابوس إلا وقد سلم لخلفه دولة تمتلك كل المقومات الأساسية التي تحتاج إليها الدولة ويحتاج إليها الإنسان، لذا كان من الطبيعي أن يكون حزن الشعب العماني كبيراً جداً وصادقاً جداً، فالوفاء حتى للغريب من طبع العماني، فكيف إذا كان من يستحق الوفاء هو الأب والقائد والمعلم.

والعزاء الحقيقي في رحيل قابوس هو وجود رجل يشبهه كثيراً في الأخلاق والقيم وفي المعاني الوطنية والمشاعر الإنسانية، جاء ليواصل مسيرة سلطنة عمان المباركة بكل أمانة.. فما كشفته كلمة السلطان الجديد لعمان جلالة هيثم بن سعيد بالأمس، هو وفاؤه لمسيرة السلطان قابوس واحترامه لما حققه وتقديره الكامل لنهجه، وهذا ما جعله يؤكد مواصلة ما بدأه قابوس، رحمه الله، وعدم الحيد عن نهجه داخلياً أو خارجياً والحفاظ على علاقات عُمان المميزة مع الجميع.

كانت عمان بين أيدٍ أمينة وانتقلت اليوم إلى أيدٍ أمينة.. والتحدي الذي أمام السلطنة في مرحلة السلطان الجديد هو الحفاظ على إنجازات السلطنة، وفي الوقت نفسه السير بها نحو المستقبل وتحقيق آمال وطموحات الشباب العماني، الذي يعتز بأرضه وتاريخه وقيادته وينظر للمستقبل بكل أمل وتفاؤل.

حفظ الله سلطنة عمان أرضاً وشعباً وسلطاناً، وجعل مستقبل عُمان مزدهراً كما كان ماضيها وحاضرها في نهضة وتطور.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

إيران.. وسؤال الجيران

لماذا فشل النظام الإيراني في بناء علاقة جيدة مع جيرانه؟ ولماذا يجد النظام الإيراني نفسه وحيداً في هذا المحيط الإقليمي؟ فهو بلا أصدقاء «حقيقيين» حتى أولئك الصغار الذين يتملقونه اليوم، فهم يفعلون ذلك لتحقيق أهداف قصيرة المدى.

منذ أيام اتهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني خلال لقائه وزير خارجية سلطنة عمان يوسف بن علوي، «دولاً إقليمية بتدمير ظروف الحوار والتفاهم من خلال سياساتها».. وادعى أن «هذه الدول تضع فرص احتواء الأزمات في المنطقة أمام تحديات أمنية جادة».

مشكلة النظام الإيراني أنه يرى أن الخطأ في الجميع إلا هو، فجيرانه على خطأ وأمريكا على خطأ والدول الأوروبية مقصرة، ودول الشرق لا تؤدي دورها، إلا هو! في حين أنه أساس كل المشاكل.

كما أنه أصبح واضحاً أن مشكلة إيران ليست مع السعودية فقط، فعلى الرغم من الخلاف الأيديولوجي الكبير بين البلدين، إلا أنه ليس هذا سبب خلافهما، فخلافات طهران كبيرة حتى مع جيرانها ممن يتوافقون معها أيديولوجياً ولو بشكلٍ جزئي، ومشكلة هذا النظام ليست مع جيران إيران العرب فقط، فمشاكل هذا النظام مع جيرانها جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، وجميع من تعامل مع هذا النظام يتساءل لماذا لم يستطع أن يتأقلم مع جيرانه طوال أربعة عقود؟ لماذا نجح في خلق العداوات مع أغلب دول العالم؟!

والحقيقة التي أصبحت واضحة مع الأزمة الأخيرة أن إيران غير قادرة على التفاهم مع جيرانها، وهذا ما قد يطيل أمد الأزمة التي تعيشها.. وطهران تلعب بمنطق الفائز والخاسر في المنطقة، وبالطبع تريد أن تكون هي الفائز الوحيد، في حين أنها ستكسب أكثر لو أنها لعبت بمنطق الفائز الفائز، فلا هي تخسر ولا تخسر دول المنطقة أيضاً.

نظام إيران لا يستوعب تغير الوضع في جنوب الخليج العربي، فدول الخليج العربية تقدمت وتطورت كثيراً خلال العقود الأربعة الماضية، في حين تأخرت إيران كثيراً وأصبح النظام الإيراني اليوم في أضعف حالاته، ورغم ذلك فهو يكابر ولو على حساب شعبه وعلى حساب شعوب المنطقة ومستقبلها. فالحقيقة أنه بقدر خسارته الكبيرة وضياع مصداقيته فإن دول الجوار حققت نجاحات كبيرة وكسبت ثقة العالم.

أخيراً.. على النظام الإيراني أن يجد طريقة أفضل للتعامل مع جيرانه باحترام وألا يبني العلاقات مع الدول طبقاً لمصالحه الخاصة بعيداً عن مصالح الدول الأخرى، فلو قبلت بعض دول الخليج بهذا المنطق فبلا شك أن دولاً أخرى لن تقبل.