88552_ALR_14-10-2019_p32-1

تونس تعيد الدرس للإخوان

الإخوان يخسرون من جديد لكنهم رغم ذلك لم يفهموا الدرس ولا يمكن أن يفهموا أبداً.

أدهشتنا تونس من جديد وأدهشنا الشعب التونسي في انتخابات الرئاسة التي ظهرت نتائجها الرسمية يوم أمس بخسارة جميع رموز الإخوان في تونس، كبيرهم وصغيرهم سقط في اختبار الديمقراطية وانكشف عند صناديق الاقتراع، وأكبر رمز فيهم وهو عبدالفتاح مورو لم يحصل على أكثر من عشرة في المئة من الأصوات، وهذه فضيحة مدوية لحزب النهضة وللإخوان في تونس وخارج تونس، لكنه نصر كبير للتونسيين الذين قالوا كلمتهم لهذا الحزب المتلون والاستغلالي، بأنكم لن تصلوا إلى كرسي الرئيس في هذا البلد أبداً.

بعد الانتخابات الرئاسية في تونس تنكشف أشياء جديدة، على رأسها كذب نظرية الإخوان التي روجوها لعقود طويلة – خصوصاً بعض السذج في مراكز اتخاذ القرار في الغرب – فقد أصبح شيئاً من الخرافات القول إن الشارع مع الإخوان وإن الشعوب تريدهم، فقد ظهر أن الحقيقة عكس ذلك تماماً ،فقد رفضتهم الأغلبية ومن أعطى صوته لهم هم أقلية ممن لم يعرفوهم بعد.

إن الوعي بحقيقة الإخوان هو المكسب الأكبر في المرحلة السابقة، والأمر الآخر الذي لا يقل أهمية في نتائج هذه الانتخابات هو رسالة الناخب للطبقة السياسية الحاكمة وهي أنه يرفضها ولا يريد وجودها مرة أخرى، لذا فقد أحرج الناخب كل تلك الأسماء التي ظهرت في ما بعد 2011، والتي من الواضح أنها سببت خيبة أمل كبيرة للناخب التونسي الذي رفض أكثر من نصفه النزول والتصويت، فبالمقارنة بالانتخابات السابقة التي كانت فيها نسبة المشاركة 64 في المئة لم تصل نسبة المشاركة في هذه الانتخابات إلى 46 في المئة!

سيكون من المهم أن تطّلع على نتيجة هذه الانتخابات بعض الجهات والحكومات الغربية الداعمة للإخوان، والتي تعتقد أن لهم شعبية حقيقية في الشارع العربي، فالذي كشفه الواقع عكس ذلك، فبعد فشل تجربة الحكم في السودان وفي مصر وفي غزة وفي تركيا أصبح من المهم أن يتم التعامل مع هذه المجموعة التي تتاجر باسم الدين بطريقة أخرى أكثر حذراً في الثقة بها، وأكثر صرامة في التعاطي مع شعاراتها المزيفة، التي لا علاقة لها لا بالحرية ولا بالديمقراطية ولا بالتقدم والتطور.

رهاننا يبقى على وعي الإنسان العربي الذي يعرف متى يقول كفى لمن يعبث بمصيره ومصير وطنه، فبعد 2011 يبدو أن الكثيرين لم يفهموا الدرس وأرادوا أن يكرروا أخطاء من سبقوهم، فأوقفتهم الشعوب بالديمقراطية وستوقفهم في كل مرة، أما الإخوان الذين يتلقون الصفعات ويواجهون الفشل في كل خطوة يخطونها فيبدو أن تعطشهم للسلطة لم يساعدهم كي يتعلموا من الدروس، وسيكررون أخطاءهم وسيتجرعون من كأس الخيبة دائماً، فقد كان يفترض أن يتعلموا من درس صعود وسقوط الإخوان في مصر.. لكن يبدو أن الأيام أنستهم هذا الدرس، لكن التونسيين أعادوا لهم الدرس لعلهم يعقلون.

شكراً شعب تونس الذي يعطي الدروس للجميع.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

تونس واختبار الإخوان

رسمياً، أعلن راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، ترشحه للانتخابات البرلمانية التونسية المقبلة في السادس من أكتوبر المقبل، وبلا شك فإنه لا يبحث عن كرسي في البرلمان، وإنما هدفه رئاسة البرلمان.

اهتمام العالم، خصوصاً دول المنطقة، سيكون خلال الأشهر المقبلة منصباً على تونس وانتخاباتها، فالكل يترقب قرار الشارع التونسي في هذه الانتخابات بعدما أثبتت التجربة السياسية التونسية نجاحاً استثنائياً بين التجارب العربية، وبلا شك فإن جزءاً كبيراً من الاستقرار الذي تتمتع به تونس يعود إلى الوعي السياسي بين الأوساط المختلفة من المكون السياسي، لذا تعتبر المرحلة المقبلة تحدياً جديداً لتونس، فبلا شك إن رحيل الباجي قايد السبسي خلّف فراغاً حقيقياً، خصوصاً أن وجوده كان يخلق التوازن بين أطراف الاختلاف السياسي في تونس، لا سيما مع حركة النهضة التي نجح في منعها من الانفراد بالمشهد السياسي.

ما يجعلنا نترقب الانتخابات المقبلة في تونس هو رهاننا على وعي الشارع التونسي بعدم السماح بالتغلغل الإخواني في المجتمع، وسعيهم للسيطرة أكثر على مؤسسات الدولة، ومنها البرلمان الذي يشرع القوانين، والذي منه خسر الإسلام السياسي وعلى رأسه الإخوان معارك مهمة، وليس سراً أن عين إخوان تونس على كرسي رئاسة الجمهورية، على الرغم من أنهم لا يمتلكون الشجاعة الكافية إلى الآن كي يسيروا نحوه خوفاً من تكرار التجربة المصرية، والفشل الذي مني به الرئيس المصري الراحل محمد مرسي في نيل ثقة الشعب والاستمرار في الحكم لأكثر من عام.

الشعب التونسي الذي ضرب مثالاً في ثورة الياسمين قبل ثمانية أعوام هو الآن أمام ثورة أخرى، فإذا كانت ثورته الأولى ضد الفساد والاستبداد فثورته المقبلة (عبر صناديق الاقتراع) ضد التطرّف والإرهاب والرجعية، وذلك بأن يمنع المتلونين من الوصول إلى غرف اتخاذ القرار في الدولة، ومنع فوز الإخوان في الانتخابات البرلمانية، وقطع الطريق على أتباع النهضة ورئيسها للوصول إلى كرسي رئيس البرلمان التونسي، والدفع بالشخصيات التونسية الوطنية التي لا تحمل ولاءات لأيديولوجيات خارجية ولا لدول فتحت خزائنها لهم، فلا أحد في الخارج يريد الخير لتونس، ومن يعرف مصلحتها ويستطيع أن ينطلق بها نحو المستقبل في تطور هم أبناء تونس المخلصون، أما المتلونون ممن حَرّموا الديمقراطية قبل سنوات ثم اعتبروها لاحقاً جزءاً من الإسلام بعد أن وجدوا أنها تخدمهم، فلا حاجة للأوطان بهؤلاء الذين دائماً ما تكون مصلحة أوطانهم وشعوبهم في ذيل أولوياتهم!