88552_ALR_14-10-2019_p32-1

هل فشلت صفقة القرن؟

مشكلة صفقة القرن أنها بدت وكأنها خدعة واستمرت وكأنها لغز! فمنذ اليوم الأول للإعلان عنها وهي شيء غامض وحتى عقد ورشة البحرين الاقتصادية في اليومين الماضيين بقي شيئاً غامضاً، فقد بدأت وكأنها «الصفقة» الكبرى التي ستحل القضية الفلسطينية التي استمرت أكثر من سبعة عقود فتحولت إلى «فرصة» للحل، كما عبر عنها كوشنر في افتتاح ورشة العمل في البحرين، لتنتهي على أنها «ورشة» عمل حضرها بعض الوزراء والمسؤولين ورجال الأعمال العرب والإسرائيليين، لتنتهي ليلة البارحة بنتيجة سلبية، فكل ذلك الزخم الإعلامي والحديث الكبير عن الحل اصطدم بغياب طرف الحل الآخر، وهو الطرف الفلسطيني الذي رفض الفكرة من أساسها.

هل تسرع كوشنر في الوصول إلى حل لهذه القضية التي تساوي ثلاثة أضعاف عمره تقريباً، فاعتقد أنها مشكلة بسيطة يمكن حلها بخمسين مليار دولار! لذا قام بزيارات مكوكية وانتقل بين عواصم العالم والتقى بالرؤساء والزعماء والمؤثرين في القرار العربي والعالمي وضغط على أصدقاء الولايات المتحدة لدعم هذا المشروع، وعلى الرغم من أن الكثيرين لم يكونوا يَرَوْن مؤشرات لنجاح هذه الصفقة إلا أن الضغط الأمريكي والرغبة في المحاولة جعلاهم ينخرطون في هذا المشروع بغض النظر عن احتمالات فشله.

يكشف تصريح كوشنر بالأمس أن «مؤتمر البحرين يظهر أن مشكلة الشرق الأوسط يمكن حلها اقتصادياً، وسنعلن خطة للحل السياسي عندما تكون جاهزة» أنه يفكر كأي رجل أعمال فهو يعتقد أن أي مشكلة في هذا العالم يمكن حلها بالدولارات، فبالمال تنتهي الأزمات، وهذا المنطق غير صحيح عندما يرتبط بحق الشعوب، وعندما يرتبط بالتاريخ وبالأرض، فلا خمسين مليار ولا 100 ولا 200 تعني شيئاً لأم فقدت ابنها ولا لشعب سلب أرضه، فما حدث في هذه الصفقة أنه تم وضع العربة أمام الحصان فتعطل كل شيء، فالحل السياسي كان ينبغي أن يسبق الصفقة الاقتصادية أو يرافقها، فحينها «قد» تتحرك الأمور بشكل يرضي جميع الأطراف.

بعد هذه المحاولة الكبيرة التي باءت بالفشل، ربما يقرر الشاب كوشنر أن يعود إلى أعماله التجارية ويركز على مشاريعه العقارية بدلاً من أن يشغل نفسه بهذه القضايا الكبيرة التي يضيع فيها الكبار فما بالنا بالصغار، وإذا كانت ثمة توصية يمكن أن يخرج بها فهي تذكير الولايات المتحدة بأنها إذا كانت جادة وتريد حلاًّ للصراع في فلسطين فبين يديها ومنذ عام 2002 مبادرة السلام العربية التي طرحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، وهي الأقرب للمنطق والأكثر قبولاً من أغلب الأطراف، أما الإصرار على فرض حل ما على طرف، وتقديم الهديا لطرف على حساب الطرف الآخر، فهذا غير مُجدٍ ولن يحقق أي نتيجة.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

عودة الطرف المفقود في الاتفاق

أحد أبرز نقاط الضعف في الاتفاق النووي مع إيران تجاهله لدول المنطقة؛ فالإدارة الأمريكية السابقة ركزت على الوصول إلى اتفاق يضمن مصالحها ومصالح الدول الغربية وتركت لإيران الخيار في تحديد تصرفاتها مع دول المنطقة واتخاذ قراراتها فيما يتعلق بالملفات التي تهم الشعوب، الأمر الذي أوصل العالم للحالة التي نحن فيها اليوم، فمن غير المنطقي وغير المقبول أن يتم إبرام اتفاق كبير واستراتيجي مع دولة ويتم تجاهل محيطها.

واليوم، وبعد قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة النظر في الاتفاق النووي مع إيران وإعادة النظام إلى طاولة الحوار، أصبح مطلب إشراك دول المنطقة في هذه الاتفاق الجديد أمراً لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه مرة أخرى، وهذا ما أكد عليه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، يوم أمس في أبوظبي خلال المؤتمر الصحافي مع وزير الخارجية الألماني هايكو ماس.

فإيران أثبتت بالدليل القاطع أنها مصرّة على التغريد خارج السرب في المنطقة ومصرّة على الاعتداء على دول المنطقة والتدخل في شؤونها وتقويض أمنها من خلال دعمها وتمويلها للإرهاب تارة وللمجموعات التخريبية تارة أخرى، واليوم ونحن نقف على مفترق طرق في المنطقة أصبح من المهم ترتيب الوضع على أصول صحيحة وعدم تجاوز مصالح الدول العربية مرة أخرى، فإذا كانت طهران تريد ذلك وتضغط من أجله فعلى الولايات المتحدة والدول الغربية، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، أن تصحح مسار الاتفاق وتجعل منه اتفاقاً يخدم جميع دول المنطقة والعالم، وخصوصاً بعد أن تبينت حقيقة السلوك الإيراني بعد العقوبات الأمريكية باعتدائها على السفن التجارية الأربع في المياه الاقتصادية لدولة الإمارات الشهر الماضي واعتدائها عن طريق ميليشياتها الحوثية على محطات ضخ النفط في الرياض، فهذا السلوك وإن لم يكن جديداً فإنه جاء هذه المرة كتحدٍّ ليس لدول المنطقة وإنما للعالم بأسره، ورسالة طهران إما الاتفاق النووي أو الإرهاب في كل مكان.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

لا للحرب في الخليج

إذا أردنا أن نلخّص ما يردده الناس في المنطقة هذه الأيام في جملة واحدة فهي «لا للحرب في الخليج العربي».

فهذا ما يطالب به الصغير قبل الكبير والمسؤولون قبل الشعب والتجار قبل الجمهور والمقيم والغريب، لا أحد يريد حرباً ونزاعاً من أي نوع في هذه المنطقة، فالسلام هو المطلوب والتعايش هو الشعار والتنمية هي الغاية، وغير ذلك مرفوض لأنه لن يخدم غير أعداء المنطقة والمتربصين.

مشكلة المنطقة الحالية ليست بسبب مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، أما الحديث عن تكرار سيناريو غزو العراق مع إيران فلا يبدو دقيقاً، والمشكلة مع مرشد الثورة علي خامنئي ومشكلة إيران واضحة، وهي تكمن في النظام بأكمله وبأجندة استمرت أربعة عقود كاملة بأهداف عدائية بعيدة كل البعد عن أي التزامات قانونية أو أخلاقية، فالنظام الإيراني لا يزال يعلن أنه ثوري، وبالتالي يؤكد إصراره على نشر ثورته في المنطقة مهما كلّفه الأمر! وهذا ما لا يمكن قبوله، ولا يمكن أن تنسى شعوب المنطقة أن الفتنة الطائفية التي نعيشها بين المذهبين الشيعي والسني لم تظهر إلا مع ثورة الخميني؛ فقبل ذلك كان لكل طرف شعائره ومعتقداته ويحترم الطرف الآخر، أما بعد الثورة الخمينية فأصبح الناس في منطقتنا يقتلون بعضهم بعضاً بناء على أسمائهم وحسب بيانات بطاقة الهوية.

هذا شيء واحد مما تسبب به هذا النظام في المنطقة واللائحة طويلة جداً، لذلك فإن عادل الجبير بعدما استعرض قائمة الجرائم التي ارتكبها النظام الإيراني قال إننا لا نريد حرباً والكرة في الملعب الإيراني، وهذا يعني أن على إيران أن تعدّل من سلوكها مع جيرانها وأن تضع نهاية لثورتها، وبالتالي تكون عنصراً إيجابياً وفعالاً في المنطقة.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

أمريكا وإيران وطبول الحرب

أرسلت الولايات المتحدة حاملة الطائرات «لنكولن» إلى الخليج العربي وأتبعتها ببارجة هجومية وبطارية صواريخ باتريوت، في تحرك يبدو وكأن طبول الحرب بدأت تقرع بين أمريكا وإيران .. ويأتي هذا التحرك العسكري رداً على التهديدات الإيرانية التي زادت مؤخراً ولم تتوقف منذ إعلان الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها من الاتفاق النووي وإنهاء الإعفاءات بعد فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على النظام الإيراني، الأمر الذي جعل إيران في وضع اقتصادي صعب جداً زاد فيه التضخم وانخفضت العملة وأصبحت حالة الشعب الإيراني صعبة للغاية.

خطوات الولايات المتحدة وإن كان البعض يعتبرها قوية وقاسية، إلا أنها اضطرت إليها وخصوصاً مع إصرار النظام الإيراني على عدم التعاون مع المجتمع الدولي وعدم إيفائه بما وعد به عند عقد الاتفاق في زمن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حيث وعد النظام بالكف عن التدخل في شؤون دول المنطقة والتوقف عن دعم المجموعات الإرهابية، وكذلك التوقف عن تطوير أسلحته النووية، ومنذ ذلك الحين في عام 2015 وإيران تتجاهل كل ذلك وتصر على نهجها السابق بل وقامت بصرف كل الأموال المجمدة التي ردت إليها على أحلامها الأيديولوجية ولم يستفد الشعب الإيراني من كل تلك المليارات وهذا بخلاف ما وعد به النظام.

اليوم، طهران في موقف صعب بعد أن أخلّت بالتزاماتها تجاه جميع الأطراف، ولم يعد أمامها، إلا خيار العودة إلى طاولة المفاوضات والقبول بالحلول التي ترضي جميع الأطراف وليس هي فقط، وما يحدث اليوم يؤكد أنه ليس أمام إيران غير هذا الخيار في ظل الوضع المتردي داخلياً وتراجع شعبية نظام خامنئي بين أطياف الشعب الإيراني، فالنظام الإيراني على حافة الهاوية وأي قرار خاطئ سيدفع ثمنه غالياً.

ندرك رغم كل هذه الحشود العسكرية أن احتمال اندلاع حرب بين الطرفين مستبعد جداً .. أما الولايات المتحدة، فلا شك أنها تدرك أن أي اتفاق جديد مع إيران يجب أن يتضمن ويضمن مصالح الدول العربية ودول المنطقة كلها وليس إسرائيل فقط، والعبث الإيراني في سوريا ولبنان والعراق واليمن وغيرها من دول المنطقة يجب أن يتوقف تماماً، ويده الممدودة في دعم الإرهاب يجب أن تقطع.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

ترامب العزم.. والإخوان

أذكر وتذكرون جميعاً تلك الصورة لعدد من تنظيم الإخوان المسلمين وهم يصلون داخل قاعة في مبنى الكونغرس الأمريكي منذ أعوام، مجموعة تصلي وآخر يلتقط صورة لأولئك «المؤمنين» ليقولوا للعالم إنهم يصلون! وصورة أخرى لوفد التنظيم الإرهابي أمام الكونغرس من الخارج وهم يرفعون علامة «رابعة» وحول عنق أحد قيادات التنظيم «كرافتة» عبارة عن علم الولايات المتحدة، كان ذلك أيّام «الربيع الإخواني» وهم يخدعون عدداً من المسؤولين الأمريكيين ويوهمونهم بأن الإخوان هم الحل في الشرق الأوسط وأنهم يتمتعون بشعبية واسعة في الشارع العربي والإسلامي، فضلاً عن أنهم يمثلون الإسلام الوسطي، وبالتالي فهم يستحقون الحكم وهم الأقدر عليه.

لقد صدقهم بعض الأمريكيين حينذاك وساروا معهم إلى حين حتى اكتشفوا حقيقتهم .. واليوم وبعد أن سقطت تلك الأساطير وانكشفت تلك الأكاذيب، وبعد أن عرف العرب والمسلمون بل والأمريكيون حقيقة هذا التنظيم لم يعد هناك مجال للشك في أنه أم التنظيمات الإرهابية في العالم، وأنهم نبع الفكر العنيف والمتطرف في المجتمع المسلم، لذا أصبح لا مفر من وضع هذا التنظيم في قائمة الإرهاب العالمي.

الولايات المتحدة منذ بداية حربها على الإرهاب، بعد أحداث سبتمبر2001، حاربت كل الإرهابيين وتجاهلت الإخوان فقطعت ذيل الإرهاب وأطرافه ولم تكتشف أن أساس الإرهاب يسرح ويمرح دون حسيب أو رقيب .. لذا يجب ألا يستغرب العالم لماذا لم يتمكن من القضاء على الإرهاب طوال تلك السنوات، ولماذا قوي وتطور الإرهاب، وبدل أن ينتهي ظهر لنا داعش وغيره بعد القاعدة!

بمجرد أن أعلن البيت الأبيض يوم الثلاثاء عزم ترامب على إدراج تنظيم الإخوان المسلمين في القائمة الأمريكية الخاصة بالجماعات الإرهابية الأجنبية أصيب الإخوان بصدمة لم يستفيقوا منها بعد، وجنّ جنون من يؤونهم ويدعمونهم .. فمن الدوحة أعلن وزير الخارجية الإيراني أن إيران ترفض سعي أمريكا لتصنيف «الإخوان» تنظيماً إرهابياً … أما النظام القطري فقد تورط بين من يعشق ومن يخشى منه، وكانت المتحدثة باسم الخارجية القطرية تقول إن الدوحة: لا تعارض الإخوان لكنها لا تدعمهم أيضاً… أما حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا فقد كان تعليقه هو الأغرب والأكثر خداعاً عند ما قال المتحدث باسمه: تحرك واشنطن ضد «الإخوان» سيدمر الديمقراطية!!

الواقع، إن هذا العزم الأمريكي إذا ما تم فسيكون قراراً تاريخياً مهماً ستتبعه مرحلة جديدة يتراجع فيها الإرهاب كثيراً.