88552_ALR_14-10-2019_p32-1

المنطقة بلا سليماني

هذا هو اليوم الرابع للخليج العربي وللمنطقة العربية بأسرها بلا قاسم سليماني، لقد رحل ورحل جزء كبير من الشر معه، وقُطعت اليد التي خرّبت ودمّرت هذه المنطقة لسنوات.

منذ هلاك سليماني ومن معه أراقب المشهد الإنساني والحياة اليومية وردود فعل الناس في منطقتنا، فأغلب سكان المنطقة في الخليج -إلا بعض الطائفيين- يشعرون بالراحة لغياب سليماني، بل إن الكثيرين في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين لديهم الشعور نفسه، وإن كان المشهد يوحي بأن الأغلبية حزينة لرحيل سليماني فالعكس هو الصحيح، ولأول مرة منذ زمن طويل يشعر العرب بأن أمريكا تتخذ قراراً يخدم شعوب ودول المنطقة بتنفيذها هذا القرار الشجاع والقضاء على رمز من رموز الإرهاب في المنطقة والعالم.

اللافت في الوضع الحالي هو أنه على الرغم من التصعيد في الخطاب الإعلامي والتجاذبات الكلامية، إلا أن النظام الإيراني لم يقم بردة فعل قوية تجاه خسارته الكبيرة، وقد لا يكون ذلك مستغرباً، فالنظام الإيراني تفاجأ -كباقي العالم- بالضربة الأمريكية، ولم يكن يتوقعها أبداً، وبالتالي لم يكن لديه أي خطة جاهزة للرد، فثقة النظام الإيراني الزائدة بنفسه جعلته يتخيل أن الولايات المتحدة لن تتجرأ على ضربه في مقتل، كما كان ترامب يهدد دائماً، وما يصعّب من وضع خامنئي ويجعله متردداً في الرد هو عدم توقعه للرد الأمريكي التالي، إذا ما نفذت إيران ضربة انتقامية مباشرة وقوية للمصالح الأمريكية.

الوضع الحالي بعد مقتل سليماني يكشف مدى الضعف الذي يعاني منه النظام الإيراني من الداخل، وربما يكشف أن اختفاء رجل واحد قد يهز أركان هذا النظام بأسره، وربما تكون هذه الخطوة الأمريكية بداية لتغيير تركيبة المنطقة، وربما بداية لعودة الأمور إلى وضعها الطبيعي ولو بشكل بطيء.

الأمر الآخر اللافت على هامش هذا الحدث المهم هو الجو العام بين سكان وشعوب المنطقة.. ففضلاً عن المزاج العام للشارع العربي الذي تقبّل خبر موت سليماني ومن معه بارتياح، فإن شعور الناس بالأمان أصبح أكبر، وهذه مفارقة تثير الانتباه، ففي حين توقع المراقبون خوف الناس في المنطقة من عمليات انتقامية إلا أن الوضع لم يتأثر والحياة في أغلب مدن وعواصم الدول العربية والخليجية تسير بشكل طبيعي والسياح يتوافدون إلى المنطقة دون تأثّر، ما يؤكد أن بقاء سليماني كان هو الخطر وليس تصفيته.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

لا لحرب جديدة في الخليج

لا أحد يختلف مع ما قاله مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي أمس عندما صرح بأن «ما حدث في أرامكو «عمل حربي»، لكن لا أحد في المنطقة يريد حرباً جديدة».

هذا ليس العمل الحربي الأول بل هو الهجوم العاشر لإيران على مصالح دول الخليج منذ يونيو الماضي، سواء في بحر عمان أو الخليج العربي أو على مناطق في السعودية، فما الذي ينتظره العالم بعد كل هذه الجرائم التي ثبت أن النظام الإيراني وراءها؟ لا شيء غير تنديدات من هنا وهناك ثم إعلان عن تشكيل لجان تحقيق، ثم انتظار النتائج التي غالباً ما تكون ضبابية لا توجه الاتهام إلى أي طرف!

ما يفعله النظام الإيراني في المنطقة ليس جديداً، لكن سلوك الدول الكبرى في المنطقة هو الغريب والمريب، فهناك عشرات علامات الاستفهام على الموقف الغربي حول سلوك النظام الإيراني، سواء في أفغانستان أو العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، فالعالم الغربي لديه كل الأدلة التي تدين النظام في إيران، والذي خرج عن كل القوانين والأعراف الدولية، إلا أنه عاجز عن فعل أي شيء لأنه ما زال يصر على وضع مصالحه الخاصة في المنطقة قبل الأمن والاستقرار فيها وقبل حماية حقوق الإنسان في المنطقة وقبل الحفاظ على السلام فيها!

فالسعودية تصدت لأكثر من 200 صاروخ باليستي على مدى الأشهر الماضية، وكل تلك الصواريخ كانت موجهة نحو أهداف مدنية وتستهدف الأبرياء من المدنيين، فماذا فعل الغرب؟ هل اعتبر هذه الأعمال «حربية»؟ بالطبع لا، صحيح أنه أدان بعضها، إلا أنه لم يفكر في أن يقف إلى جانب المملكة ويردع المعتدي الإيراني وأذرعه الممتدة في المنطقة.

وفِي حادثة أرامكو الأخيرة، التي هي بمثابة اعتداء على اقتصاد العالم بأسره، يجب أن يشكر العالم المملكة العربية السعودية التي أثبتت أنها تتحلى بالحكمة وفي الوقت نفسه تتحمل مسؤولياتها أمام دول العالم، فلم تتأخر في إعادة تشغيل المحطة لضخ النفط للعالم، في حين أنه كان بإمكانها أن تأخذ وقتها ويتأثر العالم بالنقص في سوق النفط، وبعدها يشعر العالم بالتقصير ويتحرك، إلا أن المملكة اختارت ألا تتضرر دول وشعوب العالم، لذا فإن العالم مطالب بأن يتعامل بشكل أكثر مسؤولية مع الاعتداءات التي تواجهها المملكة من إيران وأذنابها، والتي ترغب في أن تجر المملكة والمنطقة إلى حرب أخرى، لكن لا أحد يريد حرباً جديدة في المنطقة، لأن المستفيد منها سيكون النظام الإيراني الذي يحاول منذ أشهر جر المنطقة إليها، والطرف الآخر المستفيد هم تجار السلاح الذين لا يعيشون إلا على القتل ودماء الأبرياء.

بلا شك، إن إدارة الرئيس ترامب واجهت إيران بشكل أفضل بكثير من الإدارة السابقة، إلا أن الحالة مع إيران لم تتغير كثيراً، فهذا النظام يصر على الإضرار بمصالح دول المنطقة، وإرهاب شعوبها من خلال أذرعه المنتشرة، التي تعمل سراً وعلناً لتخريب المنطقة.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

إيران.. وسؤال الجيران

لماذا فشل النظام الإيراني في بناء علاقة جيدة مع جيرانه؟ ولماذا يجد النظام الإيراني نفسه وحيداً في هذا المحيط الإقليمي؟ فهو بلا أصدقاء «حقيقيين» حتى أولئك الصغار الذين يتملقونه اليوم، فهم يفعلون ذلك لتحقيق أهداف قصيرة المدى.

منذ أيام اتهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني خلال لقائه وزير خارجية سلطنة عمان يوسف بن علوي، «دولاً إقليمية بتدمير ظروف الحوار والتفاهم من خلال سياساتها».. وادعى أن «هذه الدول تضع فرص احتواء الأزمات في المنطقة أمام تحديات أمنية جادة».

مشكلة النظام الإيراني أنه يرى أن الخطأ في الجميع إلا هو، فجيرانه على خطأ وأمريكا على خطأ والدول الأوروبية مقصرة، ودول الشرق لا تؤدي دورها، إلا هو! في حين أنه أساس كل المشاكل.

كما أنه أصبح واضحاً أن مشكلة إيران ليست مع السعودية فقط، فعلى الرغم من الخلاف الأيديولوجي الكبير بين البلدين، إلا أنه ليس هذا سبب خلافهما، فخلافات طهران كبيرة حتى مع جيرانها ممن يتوافقون معها أيديولوجياً ولو بشكلٍ جزئي، ومشكلة هذا النظام ليست مع جيران إيران العرب فقط، فمشاكل هذا النظام مع جيرانها جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، وجميع من تعامل مع هذا النظام يتساءل لماذا لم يستطع أن يتأقلم مع جيرانه طوال أربعة عقود؟ لماذا نجح في خلق العداوات مع أغلب دول العالم؟!

والحقيقة التي أصبحت واضحة مع الأزمة الأخيرة أن إيران غير قادرة على التفاهم مع جيرانها، وهذا ما قد يطيل أمد الأزمة التي تعيشها.. وطهران تلعب بمنطق الفائز والخاسر في المنطقة، وبالطبع تريد أن تكون هي الفائز الوحيد، في حين أنها ستكسب أكثر لو أنها لعبت بمنطق الفائز الفائز، فلا هي تخسر ولا تخسر دول المنطقة أيضاً.

نظام إيران لا يستوعب تغير الوضع في جنوب الخليج العربي، فدول الخليج العربية تقدمت وتطورت كثيراً خلال العقود الأربعة الماضية، في حين تأخرت إيران كثيراً وأصبح النظام الإيراني اليوم في أضعف حالاته، ورغم ذلك فهو يكابر ولو على حساب شعبه وعلى حساب شعوب المنطقة ومستقبلها. فالحقيقة أنه بقدر خسارته الكبيرة وضياع مصداقيته فإن دول الجوار حققت نجاحات كبيرة وكسبت ثقة العالم.

أخيراً.. على النظام الإيراني أن يجد طريقة أفضل للتعامل مع جيرانه باحترام وألا يبني العلاقات مع الدول طبقاً لمصالحه الخاصة بعيداً عن مصالح الدول الأخرى، فلو قبلت بعض دول الخليج بهذا المنطق فبلا شك أن دولاً أخرى لن تقبل.