88552_ALR_14-10-2019_p32-1

تركيا في بلاد العرب من جديد

الوضع في ليبيا لم يعد معقداً فقط بل بدأ يأخذ طابع السيريالية في أحداثه وتطوراته اليومية وآخرها التجاذبات مع تركيا، فبعد أن تم إنكار احتجاز الجيش الليبي لبعض الأتراك، جرى، خلال أقل من 24 ساعة، الإفراج عن هؤلاء الأتراك، بعد تهديدات تركية شديدة اللهجة!

الأمر في ليبيا وفي طرابلس بالتحديد يطرح تساؤلاً كبيراً، وهو من الذي يحكم ويتحكم في الوضع على الأرض العربية الليبية؟ وما هو الدور التركي هناك؟

المشهد الليبي بحاجة إلى تمعن، والتصرفات التركية بحاجة إلى متابعة يومية، ومنذ أيام نشرت صحيفة أكشام الموالية للحكومة التركية صورة لأردوغان بجانب عنوان عريض يقول: «متصدر في سبع دول بفارق كبير»، وكان ذلك بعد خسارة حزب العدالة لانتخابات بلدية إسطنبول مباشرة.. فهل أصبحت تركيا تتفاخر بأنها تُمارس احتلال دول عربية كما تفاخرت طهران منذ سنوات بأنها تحتل أربع عواصم عربية؟

الحقيقة أنه منذ المحاولة المريبة للانقلاب العسكري الأخير في تركيا، عمل الرئيس رجب طيب أردوغان على الزج بالقوات المسلحة التركية في معارك خارج الحدود.

فتركيا تحتل حالياً أجزاء غير قليلة من الشمال السوري، وتتمركز ليس فقط بقوات مراقبة لخفض التصعيد، لكن أيضاً بمدرعات ودبابات وطائرات من طراز F16، فضلاً عن بطاريات مدفعية وآلاف الجنود.

وهي تتدخل براً عبر القوات الخاصة، وجواً عبر الطيران الحربي والمروحيات القتالية في شمال العراق، فضلاً عن إصرارها على التواجد العسكري في قاعدة بعشيقة رغم رفض الحكومة العراقية.

كما أصبحت هناك قاعدة عسكرية تركية، هي الأولى من نوعها في الخليج وتحتضنها قطر.

وتركيا ليست بعيدة عن أفريقيا، ففي عهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير سعت لإقامة ذراع تركية في البحر الأحمر، عبر السيطرة على ميناء سواكن الاستراتيجي.. كما أنها لا تتوقف عن تعزيز وجودها على جميع الأصعدة في الصومال.

في ليبيا، هي تدعم رسمياً ميليشيات حكومة الوفاق الإخوانية ليس سياسياً ومالياً فقط، لكن أيضاً عبر رحلات شحن بحري لإمداد الميليشيات بمدرعات تركية الصنع، تحرص أنقرة بشدة على تزويد المسلحين والميليشيات بأسلحة من إنتاجها المباشر، وذلك لتجنب أي اعتراض دولي من شركات الأسلحة الكبرى، كما أصبح واضحاً استخدام تركيا أراضي الدول العربية لاستعراض السلاح التركي كمنتج قابل للتصدير، وكأن الدول العربية معرض أسلحة مفتوح لاستعراض المنتجات التركية!

فهل نحن أمام أحلام أردوغان بعودة الأتراك إلى بلاد العرب وأحلام الإمبراطورية العثمانية؟!

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

لماذا يركز العرب فقط على خلافاتهم؟

انتهيت من كتابة هذا المقال قبل أن تبدأ القمة العربية والخليجية التي عقدت في وقت متأخر ليلة البارحة وأنشره قبل أن تنعقد القمة الإسلامية اليوم. والسؤال البسيط الذي أريد أن يصل إلى المجتمعين في مكة في هذه القمم التاريخية الثلاث هو: هل يمكن أن نركز على نقاط الاتفاق بيننا بدلاً من التركيز على نقاط الخلاف؟

فيبدو لي أن هذا هو جوهر الوضع المتردي الذي يعيشه العرب اليوم، وهو عكس ما كان في أوقات كثيرة في الماضي حين كان العرب يترفعون عن التركيز على اختلافاتهم ويركزون على ما يجمعهم وعلى ما يتفقون عليه، لذا كنّا نتجاوز كثيراً من الأزمات بأقل الخسائر.

في العقدين الماضيين، وبشكل أكبر في العقد الأخير أصبح العرب لا يبحثون إلا عن ما لا يتفقون عليه ويعمل كل طرف على كشف وعرض أخطاء وإخفاقات الطرف الآخر، وكلٌّ له أخطاء وإخفاقات وسوءات.. وهذا ما أوصلنا إلى حالة أصبحنا نجد في أعدائنا ما يمكن أن نتفق معهم عليه ولا نرى ذلك في أشقائنا وأهلنا!

هذا الوضع يكشف عن خلل كبير ومشكلة حقيقية، فمن الذي نجح في أن يزرع الفرقة بين الحكومات العربية لدرجة نسيانهم أنهم شيء واحد مهما اختلفوا ومهما تصارعوا، فالحقيقة الكبرى أننا أمة واحدة وإن كنّا نعيش أسوأ مراحل الفرقة والتشرذم والصراع.. فلن تكون لا إيران ولا تركيا ولا إسرائيل ولا حتى أمريكا في يوم من الأيام أقرب إلينا من أبناء جلدتنا، بل على العكس، فهؤلاء هم أكثر المستفيدين من تفرقنا وأكثر من يمكن أن يعمل على صب الزيت على النار حتى لا تستقر منطقتنا وكل طرف منهم له أسبابه السياسية أو الأيديولوجية أو الاقتصادية أو العقائدية.

سيتغير حال دول المنطقة كثيراً لو بدأنا من هذه القمم بالتركيز على ما يجمعنا وتغاضينا عما يفرقنا ولو لحين، ولنتذكر دائماً بأن الدول والحكومات ستبقى مختلفة دائماً وأبداً فهي تنظر إلى مصالحها، أما شعوب الأمة الواحدة فهي تبقى قادرة على تجاوز الخلافات.

فهل يمكن أن تتحقق هذه المعادلة البسيطة ونبدأ من جديد بالتركيز على ما يجمعنا وغض الطرف عما يفرقنا ولو لحين حتى نتجاوز هذه المرحلة التاريخية الصعبة؟ أتمنى ذلك وخصوصاً أن المجتمعين يلتقون في مكة المكرمة وأمام الكعبة المشرفة وفي شهر رمضان!

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

وزارة اللامستحيل والتعليم

يقولون إن المستحيل هو أن يتطور التعليم في العالم العربي، وفي الإمارات على الرغم من التطور في مجال التعليم وتخصيص ميزانيات كبيرة لهذا القطاع فإن العاملين في الحقل التعليمي والتربوي لدينا وبعد خوض التجربة تلو الأخرى خلال العقدين الماضيين يكادون يقولون «مستحيل» أن يتطور التعليم!

بلا شك، إن هذا الاستنتاج يتعارض وفلسفة الإمارات، ويتعارض مع ما يدعو إليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وقبل ذلك النهج الذي آمن به وسار عليه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إذاً .. فما هو الوضع؟ لماذا التحديات في قطاع التعليم مستمرة والصعوبات باقية على الرغم مما تبذله وزارة التربية والتعليم ومجالس التعليم في كل إمارة؟

هذا التساؤل الكبير تبادر إلى ذهني يوم أمس وأنا أحضر مؤتمراً حول مستقبل التعليم في العالم العربي، ودار حديث طويل ذو شجون عن واقع التعليم، وتطايرت الأرقام والإحصاءات والنسب عن مستوى التعليم، والتي كان أكثرها إثارة للاهتمام هو عدد الذين لا يقرؤون ولا يكتبون في الدول العربية، حيث يصل عددهم إلى 57 مليون إنسان، أما النسبة المؤسفة فهي في الأطفال الذين لا يتمكنون من الدراسة، إذ بلغت نسبتهم في منطقتنا العربية 13%!! وهذا رقم ضخم ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين ونتقدم نحو الثورة الصناعية الرابعة، فأين سيكون موقعنا بين شعوب العالم خلال سنوات قليلة؟!

الحقيقة التي يجب أن نعترف بها أن واقع التعليم صعب سواء التعليم العام أو التعليم العالي، ومحاولاتنا لتحقيق الإنجاز والتقدم في التعليم اصطدمت بصخرة الواقع بكل قساوتها وزادت سرعة التطور التكنولوجي والمعرفي من صعوبة التطوير في التعليم، لذا فإننا اليوم في الإمارات أمام فرصة جديدة لإعادة المحاولة لتحقيق هدفنا في التعليم لنكون في مستوى أفضل مما نحن عليه، وهذا يتطلب أولاً وقبل كل شيء التأكيد بشكل تام على أن التعليم مسؤولية وطنية تشرف عليها الدولة، وليست مسؤولية وزارة، ما يعني أن أي خطة يتم وضعها لتطوير التعليم على مدى عشر أو عشرين عاماً لا تتغير بتغيير وزير أو وكيل وزارة، ولا تكون على مزاج معلم أو تلميذ، وإنما تخضع للحاجات والأهداف الكبرى للدولة، والأمر الآخر هو أن تتم الاستفادة من أخطاء وإنجازات التجارب الماضية بعد حصرها، وذلك للاستفادة من الجيّد منها وتفادي الفاشل.يجب أن نتذكر أن الآباء المؤسسين أقاموا وبنوا هذه الدولة على فكرة أنه لا شيء مستحيلاً، واليوم نحن أمام تحدٍّ جديد لنحقق أن تطوير العملية التربوية والتعليمية ليس مستحيلاً.