88552_ALR_14-10-2019_p32-1

فرح السودان.. فرح الإمارات

الاعتذار الأكثر عمقاً وتأثيراً هو ما سمعته بالأمس من الدكتور محمد الأصم ممثل قوى الحرية والتغيير في كلمته خلال الاحتفال بتوقيع اتفاق المرحلة الانتقالية في السودان عندما قال: «نعتذر عن غياب السودان لمدة 30 عاماً عن ركب الإنسانية والحضارة».

بهذه الجملة يلخص لنا السودانيون فهمهم ووعيهم لما مرت به دولتهم، وهو نفس ما خسره العرب والعالم من الغياب السوداني الكبير طوال عقود، وفي الوقت ذاته يتضح من هذا الاعتذار أنه رغبة قوية في العودة إلى المكانة الطبيعية لهذه الدولة ولشعبها الذي أكد أبناؤه أنهم شركاء في البناء والتنمية والتقدم، ليس في بلدهم فقط وإنما في العالم العربي وعلى مستوى العالم أيضاً.

المشهد الآخر الذي لفت انتباهي في فرح السودان، أثناء التغطية الإعلامية لفرحة الشعب بتوقيع الاتفاق، لافتة رفعها أحد المواطنين السودانيين بين الحشود مكتوب عليها «نريد السودان كاليابان» .. جميل أن يكون هذا هو الطموح، وهذا حلم مشروع وحق لأي مواطن وليس صعباً إذا توافرت الإرادة الحقيقية للتغيير، وهي رسالة لأولئك الذين قبلوا تحمل المسؤولية في المرحلة الانتقالية وقبلوا أن يكونوا مؤتمنين على أحلام الشعب، فلا ينقص السودان شيء كي يكون مع الأمم المتقدمة، بعد أن تخلص من الأفكار الرجعية وأصبح يحاكم الفاسدين ويضعهم تحت المحاسبة والمراقبة الدقيقة.

التجربة السودانية في التغيير نموذج عربي يستحق الاحترام، وأثبت السودانيون المدنيون منهم والعسكريون أن همهم هو السودان وأن اختلافهم كان على حب السودان وكيف يكون سودان المستقبل أفضل ومختلفاً وفي مستوى طموح الشعب السوداني .. وهذا أرقى أنواع الخلاف وأجمل الاختلاف.

أعين العرب والعالم ستكون موجهة خلال الأشهر المقبلة نحو السودان لإنجاح هذا الاتفاق، فهذه التجربة تستحق الدعم كما تستحق الاستفادة منها والتعلم من الحكمة السودانية في الاستفادة من الاختلاف والبناء على التغيير، فهذا الشعب الذي تحمّل نظام حكم مستبداً طوال تلك العقود وتخلّص منه برفع شعار السلام واللاعنف يستحق وطناً يشبهه وقيادة تحقق أحلامه وطموحاته.

ما حدث في السودان بالأمس انعكس بشكل واضح على الإمارات، ففرحة المواطن الإماراتي بالإنجاز السوداني كانت على جميع المستويات، وبلا شك أن دولة الإمارات بكل ما تمتلكه من إمكانات وخبرات ونجاحات ستقف إلى جانب السودان الجديد ليحقق المواطن السوداني أحلامه وطموحاته وتكتمل ثورته الثالثة بمستقبل يليق بمكانة وتاريخ هذا البلد.

أخيراً .. شكراً للسودان على هذا الدرس الحضاري في التغيير السلمي.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

ثورة وحلم لم يكتمل

في زيارتي الأخيرة للسودان لحضور اجتماعات الصحافيين الأفارقة في الخرطوم في ديسمبر الماضي، كان المشهد في هذه المدينة الرائعة بأهلها الطيبين وتاريخها العظيم مثيراً للانتباه، وهو مشاهد الطوابير الطويلة، طوابير البشر وطوابير السيارات التي كانت تمتد لمئات الأمتار، المشهد الأول طوابير من السيارات على محطات البنزين، والآخر طوابير من البشر على أجهزة الصرف الآلي للبنوك، والمشهد الثالث طوابير من المواطنين على المخابز.

بعد أيّام تحولت تلك الطوابير إلى تجمعات للمواطنين في مناطق مختلفة من السودان، ومن ثم تحولت تلك التجمعات إلى احتجاجات ومسيرات للمطالبة بمحاربة الفساد، ما لبثت أن تطورت إلى مطالبات بتغيير النظام بأكمله من رأسه إلى أطرافه وأذرعه، وبالأمس استجاب الجيش لمطالب الشعب ليعلن وزير الدفاع «اقتلاع رأس النظام والتحفظ عليه في مكان آمن» ليصبح الرئيس عمر البشير في خبر كان، ويصبح كل المسؤولين في حكومته قيد الاعتقال وتتحول إدارة الدولة إلى مجلس عسكري يترأسه وزير الدفاع.

إلى هذا الحد يبدو وكأن الحكاية انتهت، وسقط النظام وحقق الشعب مراده وحقق التغيير الذي يريده، ولكن هذه ليست كل الحكاية، فيبدو أن هناك فصولاً أخرى في ثورة السودانيين بعدما اعتبر الكثيرون منهم أن ما حدث مجرد انقلاب عسكري للنظام على نفسه، وأن النظام يحاول إنتاج نفسه بشكل آخر، ما يعني أن الثورة لم تكتمل ولم تحقق أهدافها، وأن النظام يحاول أن يكون أذكى من الشعب في التغيير.

نظام السودان الذي سقط إعلامياً بالأمس، والذي يبدو أنه كان قد سقط من عين الشعب منذ سنوات، يجب أن يدرك كل مسؤول فيه أن استقرار السودان أهم من المناصب والكراسي، وأن حماية أرواح السودانيين هي الأولوية، وأن يدركوا أن آلاء صالح وأبناء جيلها من الشباب الذين خرجوا في الشوارع طوال الأشهر الأربعة الماضية لن يقبلوا إلا بأن تتحقق مطالبهم، فهذا الجيل الذي ولد وعاش في عهد البشير ونظامه ولم يرَ غيره رئيساً هو الذي يرفض هذا النظام، لذا أصبح من المهم أن يستمع النظام لجيل آلاء وأحلامه للمستقبل.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

الشعب والجيش والتغيير

خروج المحتجين السودانيين في مظاهرات في ديسمبر الماضي لم يكن الأول من نوعه، فعلى مدى السنوات الماضية كانت الاحتجاجات تندلع وما تلبث أن تهدأ، وهذا ما راهن عليه الكثيرون في الاحتجاجات الأخيرة، إلا أن الوضع لم يهدأ، بل على العكس تماماً، أخذت الاحتجاجات منحى تصاعدياً، وارتفع سقف مطالب الشارع يوماً بعد يوم، ويبدو أن السودانيين مصرون على التغيير هذه المرة.

وبعد أسابيع من الاحتجاجات في الميادين، غيّر المحتجون السودانيون طريقة تفكيرهم وتحركهم، فبعدما رأوا تصرف الجيش الجزائري مع الثوار قرروا اللجوء إلى الجيش، ويبدو أن المحتجين السودانيين أصبحوا على يقين من أن حسم معركتهم مع نظام الحكم بيد الجيش، فهو الوحيد الذي يستطيع الضغط على الرئيس عمر البشير ودفعه إلى التنحي أو عزله.
وإن اختلف الحال في السودان عنه في الجزائر التي انحاز الجيش فيها تلقائياً إلى الشعب، أما في السودان فقد رأينا المحتجين وجموع الشعب زحفوا نحو الجيش يطلبون منه الانحياز إليهم، إلا أن الهدف واحد والقناعة واحدة والرهان واحد، وهو أن الحل والتغيير بيد الجيش، وهذا ما لاحظه العالم خلال الأيام الماضية من تجاوب الجيش السوداني ووقوفه إلى جانب الشعب وحمايته إياه .. وهذا ما يجعلنا نتساءل بعد الحالتين السودانية والجزائرية وقبلهما الليبية والمصرية: هل أصبح التغيير وتحقيق إرادة الشعب في العالم العربي بيد الجيش؟

الوضع في السودان يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، لكن ليس من الواضح إلى اليوم استيعاب النظام في السودان لحجم الإصرار الشعبي على التغيير هذه المرة، وكذلك يبدو أن النظام يتعامل بالمنطق القديم مع الضغوط الدولية التي تطالبه بالاستجابة لإرادة الشعب، فلا يعيرها اهتماماً!

وبلا شك، إن أي محب للسودان وشعبه يريد أن تنتهي هذه الأزمة بسلام ودون سقوط مزيد من الضحايا، وهذا لن يكون إلا من خلال التصرف الحكيم من النظام السوداني مع مطالب الشعب وتحركاته التي لم تتوقف منذ ديسمبر الماضي.