88552_ALR_14-10-2019_p32-1

سقطة سفير

منذ إعلان الإمارات السلام مع إسرائيل قبل شهرين، وتحديداً في 13 أغسطس، لم تتوقف المؤسسات والشخصيات الرسمية الفلسطينية، عن الهجوم على دولة الإمارات والمساس بقيادتها ورموزها. فلم يبقَ شيء لم تقله تلك القيادات، فضلاً عن أن كمّ الإساءات التي وجهتها للإمارات، لم توجهه لأحد بما فيهم إسرائيل، وتبدو تلك الشخصيات، التي كانت محل تقدير يوماً ما، كمن يحرق كل مراكبه، ولا يريد أن يكون له خط رجعة! في حين أنها بحاجة للتحلي بالعقل، والمنطق أكثر من أي وقت مضى.

مثل هذا التوجه الانفعالي، الذي لا علاقة له بالعمل السياسي والاستراتيجي، بلا شك يضع السلطة الفلسطينية في موقف صعب مع الإمارات، اليوم، ومع دول عربية أخرى مستقبلاً. وهو في أساسه موقف غير مفهوم من تلك القيادات الفلسطينية، التي تعمل على السلام مع إسرائيل وتتفاخر بذلك! وتتعاون معها في أدق التفاصيل اليومية!

كما أقول دائماً، إن من حق الفلسطيني، أن يكون له رأيه المؤيد أو المعارض لأي قرار تتخذه أية دولة، خاصة إذا كان هذا القرار يخص القضية الفلسطينية، ولكن السقوط بهذا الشكل، والوصول إلى المستوى الهابط، الذي وصل إليه سفير فلسطين في باريس، أمر مثير للسخرية، ولا سيما أن السفير يرتبط بعلاقات وطيدة لا يستطيع أن ينكرها مع إسرائيل، لذا فإن ما قاله بعيد كل البعد عن قضية السلام، وإنه بهذا الكلام «غير المسؤول» يلبي رغبات، وينفذ تعليمات «البعض» داخل فلسطين، أو خارجها، بمباركة قيادته.

في مقابل كل هذا الكلام الذي لا وزن له في عالم السياسية، ولا في عالم العلاقات الدولية، والمصالح القومية أو الوطنية، هناك تساؤل يطرح نفسه، وهو: في مقابل كل هذا الهجوم والنقد للإمارات، لماذا لا ولم نسمع نقداً من هذه القيادات لبعضها البعض، وأدائها وإخفاقاتها؟ نقداً بناء يخدم القضية، نقداً يجعل الجيد يستمر، والمقصر يختفي، نقداً يصحح مسار القضية الفلسطينية؟ فالقدرة الهائلة للقيادات الفلسطينية في الهجوم على الدول التي تتجه نحو السلام، والاتهامات «الجاهزة» لكل من يتكلم عن السلام، والمجهود العقلي واللساني الذي يبذله المسؤولون الفلسطينيون في الإساءة إلى أشقائهم العرب، الذين وقفوا معهم طوال سنوات النضال، وساندوهم بكل شيء، ولا يزالون، من أجل التحرير، يجعل الجميع يتساءلون عن حقيقة هذه القيادات، التي تفاجئنا كل يوم بتصريحات لا تليق بأصحاب قضية عادلة.

لو امتلكت القيادات الفلسطينية، طوال العقود الماضية، الشجاعة لانتقاد نفسها، وصححت أولاً بأول مسارها، وراجعت خياراتها، لاختلف الوضع اليوم.

لكن تلك القيادات اختارت مجاملة بعضها البعض، والتستر على أخطاء بعضها، في مقابل تبادل الصمت إزاء هذه الأخطاء، من منطلق «اسكت عني أسكت عنك»! أما القضية ومصلحة الشعب الفلسطيني، فهما أمر آخر يأتي في المرتبة الثانية.

أخيراً.. على السفير الفلسطيني، ومن دفعه إلى قول هذا الكلام، ومن بارك تصريحاته، ومن صمت عنها، عليهم أن يدركوا قبل فوات الأوان، أن القافلة تحركت إلى الأمام، وأن مثل هذه التصريحات «المشينة»، وما سبقها، وما سيلحق بها، لن يغير من الأمر شيئاً، بل يكشف مزيداً من الوجوه التي عليها غبرة.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

ما رأي الشعب الفلسطيني؟

بعد انتشار الحديث عن قرار السلطة الفلسطينية الارتماء في أحضان تركيا، نتساءل هل الشعب الفلسطيني العربي راضٍ بأن تكون فلسطين تحت إدارة التركي والإيراني، بعد أن كانت عربية؟

والتساؤل الآخر الذي يطرحه كل العرب من الخليج إلى المحيط، ماذا قدمت تركيا للقضية الفلسطينية؟ وماذا قدمت ‏للفلسطينيين؟ وقبل ذلك ماذا قدمت إيران للشعب الفلسطيني وقضيته؟ وماذا فعل جيشها المسمى بـ«القدس» الذي تحرك في كل العواصم العربية إلا القدس؟

ويحق لنا أن نسأل: ما الثمن الذي ستدفعه فلسطين نتيجة «رميها» في أحضان من باع فلسطين قبل 100 عام؟

‏باستغراب وباستهجان يتابع العرب والمسلمون موقف القيادة الفلسطينية الغريب في تحولها نحو تركيا، الأمر الذي جعل الجميع يتساءلون؟ هل هذا انتقام من الإمارات والبحرين نتيجة معاهدتَي السلام اللتين تم التوقيع عليهما مع إسرائيل؟ أم هو انتقام من العرب؟ أم انتقام من الشعب الفلسطيني؟

بنظرة سريعة إلى الوضع الجديد، تبدو ردة فعل القيادة الفلسطينية انفعالية، وهي بلا شك خاسرة في هذا التوجه، خصوصاً مع علم الجميع، الفلسطينيين قبل العرب، أن تركيا لم تقدم شيئاً للفلسطينيين والقضية الفلسطينية طوال العقود السبعة الماضية، غير أنها كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل قبل 70 عاماً، وتقيم معها العلاقات في مختلف المجالات، لتصبح أكبر شريك تجاري لإسرائيل في المنطقة، وفي مقابل كل ذلك هي أكثر دولة تطلق الشعارات الشعبوية لمخاطبة الجماهير الفلسطينية والعربية والمسلمة دون أن تقدم شيئاً حقيقياً، حتى إنها من أقل الدول احتواء للفلسطينيين ودعماً لهم، ففي كل تركيا لا يتجاوز عدد الفلسطينيين 20 ألفاً.. إنها بلا شك أكثر دولة تتاجر بالقضية، وأقل دولة تساعدها!

هذه ملاحظات بسيطة، ولم ندخل في العمق بعد، فهل ما تقوم به السلطة والقيادة الفلسطينية سيكون في مصلحة الشعب الفلسطيني؟ وهل أخذت السلطة رأي شعبها في هذا التوجه الخطير؟ وهل تعد هذه الخطوة سلوك «رجال دولة» أم أنها سلوك «ميليشيات» تضع مصالحها قبل كل شيء وأي شيء!

يبدو أن الشعب الفلسطيني بدأ دخول منحنى جديد من تاريخه وحياته، وقد يضطر لأن يطالب بحقوقه ومصالحه بطرق مختلفة لم يستخدمها سابقاً ولم تعرفها القيادات الفلسطينية من قبل.. ولأنه صاحب حق فستكون له كلمته، وسيكون له رأيه فيما يحدث، وإن تجاهلته قياداته