88552_ALR_14-10-2019_p32-1

في عامها الـ90.. السعودية قوة متجددة

تفرح الإمارات كلها اليوم قيادة وشعباً، أرضاً وسماء، باحتفال الشقيقة السعودية بيومها الوطني الـ90، ويحتفل الخليج العربي مع الأشقاء في السعودية بهذه المناسبة في وقت تمر فيه المنطقة بظروف سياسية وأمنية واقتصادية، بل وصحية، صعبة جداً.

يحق لكل سعودي أن يفتخر بوطنه ويفتخر بما تحقق طوال تسعة عقود في منطقة تعج بالصراعات والحروب، وفي بلد مستهدف من أطراف مختلفة، دول تختلف فيما بينها على كل شيء ولا تتفق ولا تشترك إلا في عدائها للمملكة! لذا فإن السعودية وهي تحتفل بهذه السنوات من البناء، فإنها تحتفل بالصمود ومواجهة المؤامرات الخارجية والتحديات الداخلية، فلسنوات طويلة كان الفكر المتطرف الذي كان يسمى «الصحوي» يختطف المجتمع السعودي بأكمله، فتسبب في تراجع هذا البلد المهم في المنطقة والعالم عقوداً إلى الوراء، إلى أن جاء الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده محمد بن سلمان، ليُعيدا للسعودية وضعها الطبيعي بين دول المنطقة والعالم، ففي عامها الـ90 أصبحت السعودية مختلفة.

لقد أعاد الأمير محمد بن سلمان كثيراً من الأمور إلى نصابها، واسترجع السعودية ممن اختطفوها وأرادوا أن يحوّلوا هذه الدولة المهمة إلى هامشية، تهتم بقضايا صغيرة وتبتعد عن قضايا العالم الكبرى، لأسباب ادّعوا أنها دينية ترتبط بالعقيدة الإسلامية، والدين منهم براء، فخسروا، وتنفس السعوديون الصعداء، واسترجع الشباب حياتهم وأصبحوا ينظرون إلى المستقبل بشكل مختلف تماماً، ما جعل الشعب السعودي جزءاً فاعلاً في الحراك الإنساني والحضاري في المنطقة والعالم.

وعلى الصعيد الخارجي، أصبحت السعودية اليوم قوة لها كلمتها ومكانتها بين دول العالم، وأصبحت من خلال سياستها الخارجية مؤثرة بشكل كبير في سير الأحداث في المنطقة، فمنذ الربيع العربي، تعمل السعودية ومعها الإمارات يداً بيد من أجل الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها وحماية دولها من الأطماع الإقليمية المتمثلة في التوسع الإيراني والتدخل التركي في الدول العربية، ولولا الجهد السعودي في اليمن، على سبيل المثال، لكان هذا البلد تحت سيطرة الملالي، وقبل ذلك لولا دورها مع الإمارات تجاه مصر والبحرين لكان وضعهما مختلفاً اليوم.

لذا لا نستغرب من الدور العدائي الموجّه ضد السعودية من أطراف إقليمية تضررت مشاريعها بسبب الجهد السعودي الفعال والمؤثر بشكل كبير.

فمن كان يريد أن يكون منطقياً، فإنه يدرك أن السعودية تستحق التهنئة بيومها الوطني الـ90، فقد قامت طوال تاريخها بدعم القضايا العربية ابتداء بقضية فلسطين وانتهاء باليمن.. وبالنسبة لنا في الإمارات، فقد عرفنا دور المملكة ومكانتها، فاخترناها شقيقة في السراء والضراء، وأصبح مصيرنا واحداً، لا يفرقنا شيء مهما سعى المغرضون وحاولوا.

كل عام والسعودية قيادة وشعباً بألف خير، وفي تقدم ونماء ورخاء

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

المنطقة بلا سليماني

هذا هو اليوم الرابع للخليج العربي وللمنطقة العربية بأسرها بلا قاسم سليماني، لقد رحل ورحل جزء كبير من الشر معه، وقُطعت اليد التي خرّبت ودمّرت هذه المنطقة لسنوات.

منذ هلاك سليماني ومن معه أراقب المشهد الإنساني والحياة اليومية وردود فعل الناس في منطقتنا، فأغلب سكان المنطقة في الخليج -إلا بعض الطائفيين- يشعرون بالراحة لغياب سليماني، بل إن الكثيرين في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين لديهم الشعور نفسه، وإن كان المشهد يوحي بأن الأغلبية حزينة لرحيل سليماني فالعكس هو الصحيح، ولأول مرة منذ زمن طويل يشعر العرب بأن أمريكا تتخذ قراراً يخدم شعوب ودول المنطقة بتنفيذها هذا القرار الشجاع والقضاء على رمز من رموز الإرهاب في المنطقة والعالم.

اللافت في الوضع الحالي هو أنه على الرغم من التصعيد في الخطاب الإعلامي والتجاذبات الكلامية، إلا أن النظام الإيراني لم يقم بردة فعل قوية تجاه خسارته الكبيرة، وقد لا يكون ذلك مستغرباً، فالنظام الإيراني تفاجأ -كباقي العالم- بالضربة الأمريكية، ولم يكن يتوقعها أبداً، وبالتالي لم يكن لديه أي خطة جاهزة للرد، فثقة النظام الإيراني الزائدة بنفسه جعلته يتخيل أن الولايات المتحدة لن تتجرأ على ضربه في مقتل، كما كان ترامب يهدد دائماً، وما يصعّب من وضع خامنئي ويجعله متردداً في الرد هو عدم توقعه للرد الأمريكي التالي، إذا ما نفذت إيران ضربة انتقامية مباشرة وقوية للمصالح الأمريكية.

الوضع الحالي بعد مقتل سليماني يكشف مدى الضعف الذي يعاني منه النظام الإيراني من الداخل، وربما يكشف أن اختفاء رجل واحد قد يهز أركان هذا النظام بأسره، وربما تكون هذه الخطوة الأمريكية بداية لتغيير تركيبة المنطقة، وربما بداية لعودة الأمور إلى وضعها الطبيعي ولو بشكل بطيء.

الأمر الآخر اللافت على هامش هذا الحدث المهم هو الجو العام بين سكان وشعوب المنطقة.. ففضلاً عن المزاج العام للشارع العربي الذي تقبّل خبر موت سليماني ومن معه بارتياح، فإن شعور الناس بالأمان أصبح أكبر، وهذه مفارقة تثير الانتباه، ففي حين توقع المراقبون خوف الناس في المنطقة من عمليات انتقامية إلا أن الوضع لم يتأثر والحياة في أغلب مدن وعواصم الدول العربية والخليجية تسير بشكل طبيعي والسياح يتوافدون إلى المنطقة دون تأثّر، ما يؤكد أن بقاء سليماني كان هو الخطر وليس تصفيته.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

إيران.. وسؤال الجيران

لماذا فشل النظام الإيراني في بناء علاقة جيدة مع جيرانه؟ ولماذا يجد النظام الإيراني نفسه وحيداً في هذا المحيط الإقليمي؟ فهو بلا أصدقاء «حقيقيين» حتى أولئك الصغار الذين يتملقونه اليوم، فهم يفعلون ذلك لتحقيق أهداف قصيرة المدى.

منذ أيام اتهم أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني خلال لقائه وزير خارجية سلطنة عمان يوسف بن علوي، «دولاً إقليمية بتدمير ظروف الحوار والتفاهم من خلال سياساتها».. وادعى أن «هذه الدول تضع فرص احتواء الأزمات في المنطقة أمام تحديات أمنية جادة».

مشكلة النظام الإيراني أنه يرى أن الخطأ في الجميع إلا هو، فجيرانه على خطأ وأمريكا على خطأ والدول الأوروبية مقصرة، ودول الشرق لا تؤدي دورها، إلا هو! في حين أنه أساس كل المشاكل.

كما أنه أصبح واضحاً أن مشكلة إيران ليست مع السعودية فقط، فعلى الرغم من الخلاف الأيديولوجي الكبير بين البلدين، إلا أنه ليس هذا سبب خلافهما، فخلافات طهران كبيرة حتى مع جيرانها ممن يتوافقون معها أيديولوجياً ولو بشكلٍ جزئي، ومشكلة هذا النظام ليست مع جيران إيران العرب فقط، فمشاكل هذا النظام مع جيرانها جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، وجميع من تعامل مع هذا النظام يتساءل لماذا لم يستطع أن يتأقلم مع جيرانه طوال أربعة عقود؟ لماذا نجح في خلق العداوات مع أغلب دول العالم؟!

والحقيقة التي أصبحت واضحة مع الأزمة الأخيرة أن إيران غير قادرة على التفاهم مع جيرانها، وهذا ما قد يطيل أمد الأزمة التي تعيشها.. وطهران تلعب بمنطق الفائز والخاسر في المنطقة، وبالطبع تريد أن تكون هي الفائز الوحيد، في حين أنها ستكسب أكثر لو أنها لعبت بمنطق الفائز الفائز، فلا هي تخسر ولا تخسر دول المنطقة أيضاً.

نظام إيران لا يستوعب تغير الوضع في جنوب الخليج العربي، فدول الخليج العربية تقدمت وتطورت كثيراً خلال العقود الأربعة الماضية، في حين تأخرت إيران كثيراً وأصبح النظام الإيراني اليوم في أضعف حالاته، ورغم ذلك فهو يكابر ولو على حساب شعبه وعلى حساب شعوب المنطقة ومستقبلها. فالحقيقة أنه بقدر خسارته الكبيرة وضياع مصداقيته فإن دول الجوار حققت نجاحات كبيرة وكسبت ثقة العالم.

أخيراً.. على النظام الإيراني أن يجد طريقة أفضل للتعامل مع جيرانه باحترام وألا يبني العلاقات مع الدول طبقاً لمصالحه الخاصة بعيداً عن مصالح الدول الأخرى، فلو قبلت بعض دول الخليج بهذا المنطق فبلا شك أن دولاً أخرى لن تقبل.