88552_ALR_14-10-2019_p32-1

شباب على الأبواب!

ما زال مسلسل البحث عن وظيفة مستمراً، والغريب هذه المرة أن الباحثين عن الوظائف هم من المتفوقين ممن تخرجوا في الجامعة بتقديرَي «امتياز» و«جيد جداً»، فالوضع الطبيعي أن يحصل هؤلاء على الوظيفة بمجرد تخرجهم، بل إن بعض الدول تصطاد المتفوقين وهم على مقاعد الدراسة فتعرض عليهم الوظيفة قبل أن يتخرجوا، وبمجرد تخرجهم يكون مكانهم محجوزاً ليبدؤوا العمل مباشرة.

الاهتمام بالتعليم في الإمارات واضح جداً، فالقيادة دائماً تشجع التعليم والتفوق، والمتفوقون لهم مكانة خاصة عند المسؤولين ففي كل عام يحظى الأوائل في الثانوية العامة باتصال وتهنئة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ويحظون كذلك بلقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في إشارة إلى اهتمام سموهما بهذه الفئة، وليس ذلك فقط، بل يحظون بكل رعاية واهتمام، وبالأمس لاحظنا جميعاً حرص الشيخ محمد بن زايد على لقاء أبنائه الطلبة في الصين، وفِي كل زيارة خارجية يكون أحد أهم بنود أجندة سموه هو اللقاء بطلبة الإمارات في الخارج.

هذا الاهتمام رسالة لكل مسؤول بضرورة الاهتمام بالطلبة وبالشباب وبالخريجين، أما ما نسمعه من بقاء الخريجين لأشهر طويلة بل لسنوات وهم يبحثون عن وظيفة مناسبة فهو أمر غريب جداً وغير مقبول أبداً، فكل الإمكانات متوافرة والتوجيهات واضحة، فأين الخلل؟

من غير المعقول أن يكون خريجو جامعاتنا، المتفوقون منهم والأقل تفوقاً بلا عمل في بلدهم، وعشرات الآلاف من الفرص الوظيفية في مختلف المجالات متوافرة في المؤسسات الحكومية والخاصة!

فعلياً، أصبح الكثير من خريجينا الشباب يقفون طوابير على أبواب الجهات المختلفة يبحثون عن فرصة فلا يجدون إلا الصدّ أو الوعود، وقصص الخريجين الباحثين عن عمل يفترض أن تحرك المسؤولين بشكل أسرع، مع التوقف عن إلقاء اللوم على الشباب من بعض المسؤولين الذين أصبحنا نسمع منهم أخيراً أعذاراً وتعليقات غريبة مثل: الشباب لا يقبلون بأي وظيفة، وأنهم مرفهون، ويبحثون عن المناصب، أو أنهم غير جادين في الالتحاق بالوظيفة!

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

وزارة اللامستحيل والتعليم

يقولون إن المستحيل هو أن يتطور التعليم في العالم العربي، وفي الإمارات على الرغم من التطور في مجال التعليم وتخصيص ميزانيات كبيرة لهذا القطاع فإن العاملين في الحقل التعليمي والتربوي لدينا وبعد خوض التجربة تلو الأخرى خلال العقدين الماضيين يكادون يقولون «مستحيل» أن يتطور التعليم!

بلا شك، إن هذا الاستنتاج يتعارض وفلسفة الإمارات، ويتعارض مع ما يدعو إليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وقبل ذلك النهج الذي آمن به وسار عليه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إذاً .. فما هو الوضع؟ لماذا التحديات في قطاع التعليم مستمرة والصعوبات باقية على الرغم مما تبذله وزارة التربية والتعليم ومجالس التعليم في كل إمارة؟

هذا التساؤل الكبير تبادر إلى ذهني يوم أمس وأنا أحضر مؤتمراً حول مستقبل التعليم في العالم العربي، ودار حديث طويل ذو شجون عن واقع التعليم، وتطايرت الأرقام والإحصاءات والنسب عن مستوى التعليم، والتي كان أكثرها إثارة للاهتمام هو عدد الذين لا يقرؤون ولا يكتبون في الدول العربية، حيث يصل عددهم إلى 57 مليون إنسان، أما النسبة المؤسفة فهي في الأطفال الذين لا يتمكنون من الدراسة، إذ بلغت نسبتهم في منطقتنا العربية 13%!! وهذا رقم ضخم ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين ونتقدم نحو الثورة الصناعية الرابعة، فأين سيكون موقعنا بين شعوب العالم خلال سنوات قليلة؟!

الحقيقة التي يجب أن نعترف بها أن واقع التعليم صعب سواء التعليم العام أو التعليم العالي، ومحاولاتنا لتحقيق الإنجاز والتقدم في التعليم اصطدمت بصخرة الواقع بكل قساوتها وزادت سرعة التطور التكنولوجي والمعرفي من صعوبة التطوير في التعليم، لذا فإننا اليوم في الإمارات أمام فرصة جديدة لإعادة المحاولة لتحقيق هدفنا في التعليم لنكون في مستوى أفضل مما نحن عليه، وهذا يتطلب أولاً وقبل كل شيء التأكيد بشكل تام على أن التعليم مسؤولية وطنية تشرف عليها الدولة، وليست مسؤولية وزارة، ما يعني أن أي خطة يتم وضعها لتطوير التعليم على مدى عشر أو عشرين عاماً لا تتغير بتغيير وزير أو وكيل وزارة، ولا تكون على مزاج معلم أو تلميذ، وإنما تخضع للحاجات والأهداف الكبرى للدولة، والأمر الآخر هو أن تتم الاستفادة من أخطاء وإنجازات التجارب الماضية بعد حصرها، وذلك للاستفادة من الجيّد منها وتفادي الفاشل.يجب أن نتذكر أن الآباء المؤسسين أقاموا وبنوا هذه الدولة على فكرة أنه لا شيء مستحيلاً، واليوم نحن أمام تحدٍّ جديد لنحقق أن تطوير العملية التربوية والتعليمية ليس مستحيلاً.