88552_ALR_14-10-2019_p32-1

ضغوط السلام!

يروق للبعض أن يعتبر الاتفاق الإماراتي ـ الإسرائيلي ومن بعده الاتفاق البحريني ـ الإسرائيلي نتيجة لضغوط أمريكية على البلدين وعلى غيرهما من دول المنطقة لعقد اتفاق سلام مع إسرائيل.. ويختزل هؤلاء التغيير الجيوسياسي والخطوة التاريخية الكبيرة التي تتخذها الدول العربية فيما يُتخذ في البيت الأبيض من قرارات أو فيما تترقبه أمريكا من انتخابات رئاسية قريبة.. وواضح أن هذا تبسيط مُخلٌّ لا يمكن الاعتماد عليه، فالوضع في المنطقة أصبح أكثر تعقيداً وأكثر خطورة، واستهدافُ الدول العربية أصبح أكثر وضوحاً، مما يتطلب تحليلاً منطقياً وعقلانياً لما يحدث فيها.

بلا شك فإن هناك ضغوطاً أمريكية، لكن الحقيقة أن هذه الضغوط ليست جديدة فمنذ عقود والإدارات الأمريكية الواحدة تلو الأخرى – الديمقراطية منها والجمهورية – تحاول أن تقنع العرب بالسلام وبتطبيع العلاقات مع إسرائيل إلا أن الموقف العربي كان ثابتاً وصامداً ضد أية خطوة إلا بتحرك إسرائيلي نحو السلام الذي يخدم القضية الفلسطينية ويعيد الحقوق للفلسطينيين، فلماذا أصبحت الضغوط تأتي بنتيجة إيجابية هذه المرة؟ ولم تكن نتيجتها اتفاق دولة واحدة وإنما دولتين، وربما دول عربية أخرى في المستقبل؟

الحقيقة أن الضغوط ودفع الدول نحو السلام مع إسرائيل ليست أمريكية فقط وإنما هناك أسباب وضغوط إقليمية جعلت الضغوط الحالية تنجح في هذا الوقت دون أن تنجح في الإدارات السابقة، وعلى رأسها التهديدات المستمرة والمتزايدة في المنطقة والتغييرات والأخطار التي تبدلت، فالخطر على الدول العربية زاد بشكل مستفز من دولتي الجوار، إيران وتركيا. فخلال السنوات العشر الماضية أصبحت الدول العربية بالنسبة لهما ساحة عبث وتخريب منظم، فالأيديولوجيا الإيرانية لم ترحم دول المنطقة ابتداء بالعراق مروراً بسوريا ولبنان واليمن وأخيراً فلسطين، وفي الجانب الآخر تتبدّى محاولات السيطرة والتدخل التركي في شؤون الدول العربية والإمعان في استغلال القضية الفلسطينية الذي وصل إلى مستوى غير مقبول، ما جعل جامعة الدول العربية تطلق تحذيراتها من تلك التدخلات.

في ظل هذا الوضع كان من الصعب أن تبقى الدول العربية في موقف المتفرج، خصوصاً في ظل التخلي الأمريكي عن منطقة الشرق الأوسط ورفع اليد منذ فترة الرئيس أوباما عن قضايا وأوضاع المنطقة وإلى الآن، فأصبح من الطبيعي أن تتم إعادة ترتيب الأولويات وتغيير قواعد اللعبة بحيث تحافظ دول المنطقة على أمنها واستقرارها وتحمي نفسها وشعوبها من جيرانها الطامعين الذين دفعتهم أنانيتهم إلى التفكير في مصالحهم فقط واستغلال ضعف بعض الدول العربية بأبشع الطرق وبصورة لن ينساها التاريخ.

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

مكة.. فرصة إيران وقطر

عامان مضيا على مقاطعة أربع دول عربية لقطر، ففي نهاية شهر مايو من العام 2017، قررت السعودية والإمارات ومصر والبحرين قطع علاقاتها بقطر، وكان ذلك القرار بعد القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض، وبعد البيان القطري الشهير على وكالة الأنباء الرسمية لها.. وغداً ستبدأ أعمال قمم مكة الثلاث، قمة خليجية وقمة عربية ويوم الجمعة قمة إسلامية، وبلا شك أن مثل هذا الاجتماع الكبير سينتج عنه شيء مهم، وإن كان الحديث يدور حول أن القمة ستركز على الاعتداءات الإيرانية الأخيرة وستتناول الموقف من النظام الإيراني وما يقابله من تحرك عسكري أمريكي إلا أن هذه القمم ستحرك كثيراً من الملفات المهمة والعالقة التي تحتاج إلى فعل حقيقي.

وزير خارجية قطر السابق حمد بن جبر يقول في تغريدة له على تويتر إنه غير متفائل بنتائج هذه القمم! فمنذ متى كان هو وأمير قطر متفائلين أو حتى مهتمين بنتائج القمم العربية والخليجية؟! ويفترض أنه لن يكون متفائلاً لأنه أصبح خارج اللعبة السياسية في المنطقة، كما أنه لن يكون سعيداً أبداً إذا ما ظهرت أي بوادر لانتهاء الأزمة القطرية أو حدوث انفراج في هذه الأزمة التي كان هو شخصياً أحد أسبابها الرئيسة خلال السنوات الماضية.

القمم الثلاث فرصة حقيقية للنظامين في قطر وإيران، ففرصة قطر أن تعيد ترتيب وضعها مع دول المنطقة، وأن تتوقف عن التغريد خارج السرب والبحث عن حلول خارج البيت الخليجي، لأنها تعرف منذ اليوم الأول أن حل أزمتها في الرياض، وقد جاءتها فرصة ذهبية وبالقرب من بيت الله الحرام في مكة المكرمة، فهل تستفيد من هذه الفرصة؟

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

إيران .. إرهاب في البحار

التحركات الإيرانية خلال الأيام الماضية والمقبلة يمكن تفسيرها بطريقة واحدة فقط، وهي أن النظام الإيراني بدأ يفقد السيطرة على كل شيء وأصبح يعاني بسبب الوضع الاقتصادي الذي هو فيه، لذا لا نستغرب الحملة الإعلامية الكاذبة التي أطلقها بالأمس وادعاء الأذرع الإعلامية التابعة له بأن انفجارات شهدها ميناء الفجيرة في دولة الإمارات، والحقيقة أن شيئاً من ذلك لم يحدث وأن إطار سيارة لم ينفجر في الميناء، ولكن هذا الخبر وغيره من الأخبار الكاذبة نتوقعها من النظام الإيراني ضد الإمارات أو السعودية أو البحرين وغيرها من الدول.

تبع تلك الإشاعات مباشرة إعلان الإمارات عن عملية تخريبية تعرضت لها أربع سفن تجارية بالقرب من المياه الإقليمية للإمارات قبالة سواحل الفجيرة، حتى كتابة هذا المقال لم يتم الإعلان عن الجهة التي كانت وراء التخريب، ولكن باستقراء الوضع في المنطقة، فإن أصابع الاتهام تشير إلى «رأس الإرهاب» النظام الإيراني، هي محاولة أخرى للإيحاء بأنه قادر على فعل شيء، والحقيقة أن أي شيء يقوم به نظام طهران سيدفع ثمنه غالياً، ودول المنطقة والولايات المتحدة ودول العالم لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه أي تهور إيراني غير محسوب العواقب، فالمطلوب من طهران تعديل وضعها الداخلي والخارجي وتحسين علاقاتها مع دول العالم والمنطقة وقطع علاقتها بالإرهابيين والمجرمين والتوقف عن تمويل الإرهاب والخراب في كل مكان والجلوس على طاولة الحوار حول برنامجها النووي، هذه الرسالة التي يفترض أنها وصلت إلى طهران، وهذا ما يجب أن تتعامل معه، أما لغة التهديد والإصرار على التصعيد العسكري والإعلامي فهذا يعني أن إيران تقترب من حافة الهاوية ولا تريد أن تستفيد من الفرصة الأخيرة التي حصلت عليها.

أما المجتمع الدولي فمسؤوليته تجاه حادثة تخريب السفن الأربع كبيرة لما يشكّله هذا العمل من تهديد للأمن الملاحي ومن تهديد للأمن العالمي؛ فمنطقة الخليج وهذا الجزء من العالم لا يجب القبول بأي نوع من العبث فيه، وبالتالي فإن الخطوة التالية هي محاسبة من تحدى المجتمع الدولي والقوانين الدولية وتعدى على تلك السفن.