88552_ALR_14-10-2019_p32-1

فلسطينيون في مهب الريح

شاهدت خلال الأيام الماضية العديد من الفيديوهات على سوشيال ميديا، كان المتحدثون فيها من الشباب الفلسطيني، وكان موضوع الفيديو هو التعليق على ما جاء على لسان قيادات الفصائل الفلسطينية في اجتماعهم الأخير، استبشرت خيراً بتلك المقاطع، لسبب واحد وبسيط، وهو أننا أخيراً أصبحنا نسمع صوت الشباب الفلسطيني المستقل والعقلاني بدون خوف أو ضغوط من أحد.

منذ أكثر من 70 عاماً يعيش أغلب الفلسطينيين في حالة مؤسفة بسبب الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم وبسبب الأوضاع غير المستقرة في مدنهم وقراهم داخل فلسطين، أما الفلسطينيون الذين خرجوا من فلسطين لاجئين في دول أخرى أو مهاجرين فهم مثل مَن هم في الداخل يعيشون الخوف من الحاضر الصعب والمستقبل المجهول.. وهذا حال من احتل وطنه.

حديثُنا هذا عن الشعب الفلسطيني العزيز وليس القيادات، الشعب الذي قدم التضحيات طوال عقود ماضية وقدم الشهداء لدرجة وصلت فيها أم الشهيد الفلسطيني لأن تقيم عرساً عند استشهاد أحد أبنائها، كيف لا وهو الذي ضحى بروحه ودمه من أجل تراب وطنه ومن أجل القدس ومن أجل المسجد الأقصى، مشهد المواجهة والاستشهاد لم يختفِ من أمام أعيننا طوال حياتنا منذ خُلقنا على هذه الأرض إلى اليوم، لكن السؤال: من الذي كان يضحي ومن الذي كان يستشهد ومن الذي كان يحب فلسطين وتراب فلسطين؟

الإجابة عرفها العرب والمسلمون مؤخراً، وهي الشعب الفلسطيني وليس القيادة الفلسطينية، بل الحقيقة الأكبر التي عرفها الجميع أن القيادات الفلسطينية هي التي استغلت الفلسطينيين والقضية الفلسطينية من أجل مصالحها الشخصية والخاصة منذ بداية الاحتلال، والحقيقة أيضاً أن سبب ضياع القضية هي القيادات الفلسطينية التي أدارت بشكل سيئ هذا الملف، فلم تنجح في استعادة شبر واحد من أرض فلسطين المحتلة، وبذلك استفاد أشخاص من هذه القضية. أما الشعب فبقي يعيش أحلام التحرر وعودة الأرض واللاجئين، بينما تُوقع قيادتُه معاهدات السلام الواحدة تلو الأخرى وتتنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني، والشعبُ مشغول بالمقاومة وبمد جذوره أكثر وأكثر في أرضه دون أن يعلم أن من يُسمعَه شعاراتِ التحرر والعودة والانتصار كلَّ يوم.. هو من باع كل شيء!

المؤسف أن تلك القيادة القديمة والمتقادمة لم تكتفِ بإيذاء الشعب الفلسطيني في الداخل بل أصبحت اليوم تحاول أن تؤذي الفلسطينيين في الخارج وفي دول الخليج بالتحديد، فهؤلاء الذين يعيشون الغربة والاغتراب ويسعون في رزقهم ليعيشوا حياة كريمة ويعينوا أُسرَهم في الداخل – التي لا تهتم بها السلطة الفلسطينية أو الفصائل الفلسطينية – لدرجة أن بعضهم أصبح مصدر الدخل الوحيد ليصرف على أهله، تأتي تلك القيادات لتهدد حياتهم واستقرارهم ومصادر رزقهم بتصريحات غوغائية دون أن تكترث بهم ولا بمستقبلهم، ليكونوا في مهب الريح ويتحملوا ذنب من لا يهمه أمرهم!

ألا تكتفي هذه القيادة التي فشلت في تجديد نفسها بأنها وضعت الفلسطينيين في الداخل في مهب الريح، بلا مستقبل وبلا أمن ولا استقرار، حتى تضيف إليهم مئاتِ الآلاف في الخارج؟!

أخيراً متى تستمع القيادة الفلسطينية القديمة إلى أصوات الشباب الفلسطيني في الداخل والخارج؟ ومتى تتوقف عن تخوين وتخويف كل من يخالفها الرأي وتسمح لهم بأن يعبروا عن رأيهم في قضيتهم ومستقبل وطنهم بكل حرية دون خوف من السيف المسلَّط على رقابهم إذا خالفوا القدماء في الرأي!

88552_ALR_14-10-2019_p32-1

الإمارات ليست وحدها

في طريق السلام دولة الإمارات ليست بمفردها، فمعها كثير من الدول العربية ودول العالم والكثير الكثير من الأشخاص من الخليج والعالم العربي والعالم، بل حتى الكثير من الفلسطينيين أنفسهم أصحاب القضية ممن يعيشون في الأراضي الفلسطينية أو في إسرائيل أو خارج فلسطين ممن يعتقدون بضرورة تغيير الآليات وتغيير الاستراتيجيات القديمة التي لم تحقق شيئاً.

لذا فإن الإمارات مطمئنة، وتسير بثبات في قرارها على الرغم من الهجوم الشرس وغير المبرر من «بعض» القيادات الفلسطينية ورغم فتوى مفتي القدس التي تُخرج الإماراتيين من ملة الإسلام وتحرِّم عليهم – دون غيرهم – الصلاة في المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين! إلا أن الإمارات تؤكد موقفها الداعم للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني.

في المعركة الحالية بين دعاة السلام ودعاة التطرف والعنف والإرهاب سيخسر أعداء السلام وسيدركون أنهم أخطأوا كثيراً بعد أن ينكشفوا للصغير قبل الكبير وللبعيد قبل القريب، فالحق أوضح من أن يغطى بغربال، والإمارات بقرارها السيادي لم تفكر في الاعتداء على الحق الفلسطيني ولم تمنع حلاً للقضية بل العكس هو الصحيح.

قد يكون من المهم أن يظهر أحد يذكّر القيادة الفلسطينية بالقاعدة الإنسانية البسيطة وهي أن «الطبيعة لا تعترف بالفراغ»، فالفراغ لا بد أن يتم ملؤه يوماً ما وبشكل أو بآخر فصاحب الحق إذا ما نام عن المطالبة بحقه فسيضيع حقه أو سيأتي من يأخذ حقه أو سيأتي من يطالب بحقه بدلاً منه. وهذا ما يحدث دائماً وهذا ما حدث في فلسطين التي انشغلت فيها قياداتها وفصائلها بنفسها ونسيت القضية وانشغلت بالصراع على كرسي الحكم – غير الموجود فعلياً – ونسيت أن تفاوض من يحتل أراضيها ومن يحاصرها من كل جانب وقبلت بالأمر الواقع الذي أصبح مريحاً لها، ولكنه غير مريح للمنطقة بأسرها بعد أن أصبحت القضية الفلسطينية الشماعة التي يعلق عليها الجميع أخطاءهم، ومن خلالها تتدخل إيران وتركيا في شؤون المنطقة.

بعد سبعة عقود من الفشل المتتالي في حل القضية اختارت الإمارات «الفعل» بدلاً من ردات الفعل، الحركة بدلاً من السكون واختارت الشفافية بدلاً من الخداع والعمل في الخفاء، اختارت وضع النقاط على الحروف ليقرأ الجميع الجمل واضحة فقفزت لتوقع معاهدة سلام مع إسرائيل، وتوقِف معها الحرب التي كانت طرفاً فيها ضمن الجانب العربي طوال عقود، وقلبت صفحة كان العرب فيها الطرف الخاسر دائماً في الصراع، وهي تنظر للمستقبل بروح التسامح والأخوة والسلام.

لقد اختارت الإمارات سلام الأقوياء، ففي معاهدتها مع إسرائيل اختارت أن تكون طرفاً قوياً إلى جانب الطرف الإسرائيلي القوي، وهي بذلك ستكون طرفاً رابحاً، ليس لنفسها وإنما للمنطقة أيضاً وستكشف الأيام النموذج الإماراتي الإسرائيلي للسلام، نموذجاً بُني على المصالح المشتركة وتكافؤ الفرص في مجالات التعاون والعمل معاً من أجل مصلحة الطرفين، بما يؤدي إلى الذهاب نحو المستقبل بثبات ووضوح… وهذا ما سيجعل الجميع يغيّرون طريقة تفكيرهم، ويؤدي إلى تغيير نظرتهم للأمور.