88552_ALR_14-10-2019_p32-1

لبنان الجميل.. ينتفض

ما فعله الشعب اللبناني خلال الأيام الماضية كشف عن مستوى عالٍ من المسؤولية الوطنية والالتزام الحضاري – بغض النظر عن بعض المخربين المندسين بين المتظاهرين السلميين – فقد بدأت المظاهرات سلمية، وعبّر الشعب اللبناني عن رأيه بكل وضوح وقوة حول أحوال بلده ومعاناته، وهذا ليس غريباً على لبنان جبران خليل جبران، ولبنان فيروز، ولبنان الجبل والبحر.

لقد صمت الشعب اللبناني طويلاً، وصبر كثيراً على ما يجري في بلده، وأعطى الفرصة تلو الأخرى للقيادات السياسية بمختلف أشكالها وأطيافها وانتماءاتها، منتظراً أن يصبح الحال أفضل، ومتأملاً أن يخرج البلد من الأزمات التي تعصف بالمواطن اللبناني الواحدة تلو الأخرى، لكنه اكتشف أخيراً أنه لا آفاق للحل مع القيادات السياسية الحالية ومع الحكومة المفككة منذ يوم تشكيلها، فكان قراره الأخير النزول إلى الشارع ورفع صوته بمطالبه الاقتصادية والاجتماعية، التي من الواضح أن الطبقة السياسية الحاكمة لم تفهمها، الأمر الذي أدى إلى تصاعد المطالب الشعبية إلى مطالبات سياسية وبتغيير النظام وإسقاطه.

اللافت في الحالة اللبنانية الحالية أن المتظاهرين لم يخرجوا أتباعاً لطوائف وأحزاب ومجموعات، وإنما خرجوا جميعاً كمواطنين لبنانيين وأبناء وطن واحد، لا مسلم ولا مسيحي ولا درزي ولا سني ولا شيعي ولا غيره، كل اللبنانيين بمختلف أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم كانوا صوتاً واحداً ضد الفساد والانهيار الاقتصادي في البلاد.

وكان من اللافت، ولأول مرة، أن نسمع هتافات ضد حسن نصرالله، فقد اعتبروه جزءاً من الأزمة، ولا يختلف عن بقية السياسيين الذين يجب أن يرحلوا، فردد المتظاهرون باللهجة اللبنانية: «كُلّن يعني كُلّن.. نصرالله واحد منُن»، وضد نبيه بري وكذلك سعد الحريري والرئيس ميشيل عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل، الذي سكب الزيت على النار في خطابه، فبدلاً من أن يهدئ الأمور أشعلها، ولم يختلف عنه نصرالله كثيراً، الذي هدد أمس المتظاهرين السلميين باستخدام القوة! فسمع العالم ارتفاع الهتافات ضده وسقوط صور نبيه بري وميشيل عون تحت الأقدام.

والأمر المثير للشفقة في خطابات الطبقة السياسية اللبنانية أنها في وسط هذه الأزمة والمطالبات الشعبية استمرت في تجاهل مطالب الشعب وركزت على تصفية حساباتها، وقام كل طرف بإلقاء اللوم على الآخر، في مشهد يعكس بُعد المسافة بين السياسيين والشعب، الأمر الذي ينبئ بفشل الحكومة والفرقاء السياسيين في الوصول إلى حل للأزمة وعدم قدرتهم على تهدئة الشارع وعودة الأمور إلى مسارها الطبيعي.

الواضح من المشهد الحالي أن الطبقة السياسية اللبنانية انشغلت بمصالحها لسنوات طويلة ونسيت الشعب واحتياجاته ومطالبه، ونجح أولئك السياسيون والحزبيون في إشغال اللبنانيين بكثير من القضايا الداخلية والخارجية «الهامشية» بهدف إبعادهم عن حقيقة أوضاع الداخل، واختلقوا معارك خارجية مع جيران عرب لطالما أحبوا لبنان ووقفوا معه، فقط من أجل ألا يتكلم الشعب، لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح، عندما فاض الكيل وانكشفت الأمور عرف الشعب اللبناني صديقه من عدوه وطالب بحقوقه وأعلنها بمحض إرادته وبكل قوة أنه لن يصمت بعد اليوم.

اترك رد